Archive - Nov 11 - 2005

غِنى


"أريد ألا أعمل إلا من أجل

الحق و الخير و الجمال.

أن أبحث في كل إنسان

عن شعاعٍ من نور الله."

(الأخت إمانويل ؛ 1908 - 2008)

 راهبة بلجيكية كاثوليكيّة؛ عاشت في حيّ الزبالين بالقاهرة لأكثر من عشرين عاماً.

توفيت بالأمس - 20 أكتوبر 2008 - في فرنسا، عن 99 عاماً.

ليندا

    لم أقابل ليندا و لا مرة وجهاً لوجه. لكن علاقةً خاصةً جمعتنا فترةً قصيرة من الزمن. بدأ الأمر عن طريق صديق أمريكي قديم. كان يدرّسني الأنجليزية في المدرسة الثانوية. وقتَها كنتُ أترجم أجزاءَ من كِتاب "مدينة الله" للقديس أغسطينوس، و كان هو منبهراً أن يهتم طالبٌ بمثل هذا العَمل. حين عادَ إلى بلاده بقينا على اتصال من حين لآخر. و منذ ستة أشهر، أرسل لي رسالةً بها موقع ليندا الشخصي و طلب منّي أن أرسل لها تعليقاً. كانت ليندا صديقة أخيه و كان يريدني أن أعرف حكايتها بما أنني أعمل في مجال السرطان.

 read more »

أنقاض

[أو أولئكَ الثمانية عشرة الّذين سَقَط عليهِم البُرجُ في سلوام و قَتَلهم،

أتظنّون أن هؤلاءِ كانوا مُذنبين أكثر من جميع الناس الساكنين في أورشليم؟]

(   العهد الجديد)

يا أخوتي الراقدينَ

تَحتَ أنقاضِ الجبل،

لا تَحزنوا...

نحنُ أيضاً في رُقادٍ ننتظر

(- من ظلَّ حيّاً منّا -)

موتاً بطيئاً مثلكم،

تحتَ أنقاض الوطن!

 

يا أخوتي الرّاقدين

طوبى لكم...

فموتكم، قد عاشَ من يقصّه.

فمن يا ترى - و لمن؟-

متى نموتُ

يحكي حِكايةَ موتِنا؟

 

 read more »

جدّية؟

 
الأمير الصغير

"-Et tu crois, toi, que les fleurs...

-Mais non! Mais non! Je ne crois rien! J'ai répondu n'importe quoi. Je m'occupe, moi, des choses sérieuses!

Il me regarda stupéfiait.

-De choses sérieuses!

Il me voyait, mon marteau à la main, et les doigts noirs de cambouis, penché sur un objet qui lui semblait très laid.

-Tu parles comme les grandes personnes!

Ca me fit un peu honte. Mais, impitoyable, il ajouta:

 read more »

وداعٌ

يومٌ مُناسبٌ لوداع محمود درويش !

" لاشيء يُوجِعُني على باب القيامةِ .

لا الزمانُ ولا العواطفُ . لا

أُحِسُّ بخفَّةِ الأشياء أَو ثِقَلِ

الهواجس . لم أَجد أَحداً لأسأل :

أَين (( أَيْني )) الآن ؟ أَين مدينةُ

الموتى ، وأَين أَنا ؟ فلا عَدَمٌ

هنا في اللا هنا … في اللازمان ،

ولا وُجُودُ

وكأنني قد متُّ قبل الآن …

أَعرفُ هذه الرؤيا ، وأَعرفُ أَنني

أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ . رُبَّما

ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ

ما أُريدُ …

سأصيرُ يوماً ما أُريدُ."

المُتنبّي في وصف المَلاريا

الناموسة التي تنقل الملاريا

لا شكّ أن الأطباء في العالم مدينون لمرضاهم من الأدباء!

 read more »

حسن و مرقص

    من سحرِ السينما أن تجلس في قاعةٍ متسعة مع جمهورٍ من البَشر لا تعرفهم، فتشاهد و تسمع ما كنتَ من لحظاتٍ تهمسه في أذن صديقٍ أو تتناقش فيه في بيتك. لا شك أن أحد أسباب نجاح فيلم "حسن و مرقص" ناتج عن هذه الطبيعة السحرية لفن السينما! ربما هي أوّل مرّة يرى المُشاهدون أحاديثهم الحقيقية متجسدة على الشاشة، في موضوعٍ يخشى معظم صنّاع السينما الاقتراب منه.

    أما العامل الثاني للنجاح فهو "الحدوتة"؛ و هي تُحكى بشكل يغري بالمتابعة أيضاً. فالمشاهد يعرف حقيقة الشخصيات بينما هم لا يعرفون، و لهذا أيضاً سحرٌ خاصٌ في السينما! و من هنا فإن الفيلم ممتع حقاً و مشوّق و ناجح جماهيرياً.

    لكن ليس بالتشويق وحده تنجح الأفلام! فمع كونه فيلماً كوميدياً و مشوّقاً، فقد اختار صانعوه أن يناقشوا قضية – غالباً – جادة و مهمة و لا يمكن التعامل معها بسطحية. لهذا خيّب الفيلم الآمالَ أحياناً في تعامله مع القضية.

     اختار المؤلف أن يتخذ خطّاً "متوازياً" للشخصيتين الرئيسيتين على الرغم من تقاطعهما طوال الأحداث. فالمشاهد المتتالية متقابلة و كأنها مقسمة "باشوكة و السكين" (باستثناء رحلة عائلة عادل إمام إلى المنيا التي يقابلها غياب كامل لعُمر الشريف و عائلته طوال 20 دقيقة تقريبا؛ إلى أن يهبط مرة أخرى – من غير أن نعلم من أين! – مسار الفيلم). و ليس التوازي توازناً، و لا العكسَ صحيحٌ! فلكي يحافظ المؤلف على اتزانه فوق حبلٍ رفيعٍ من المجاملات لجأ أحياناً إلى تصور مواقف أوجدها ليقابل بها مواقف حقيقية عند أحد الطرفين. فصلاة "تبريك المنازل" المسيحية – التي هي حقيقة عادية جداً لدى المسيحي المتدين – اقتضت استحداث طقس مقابل لقراءة القرآن بالمنزل لدى الجار المسلم. أنا شخصياً لا أعرف مسلماً واحداً يدعو شيوخَ المسجد لقراءة القرآن و اطلاق البخور عند سكنه بمنزل جديد. المبرر الدرامي الوحيد للمشهد هو ما تلاه من تصاعد البخور من النافذتين المتجاورتين بقصد الإشارة إلى رمز ديني "موحد"؛ و هو في رأيي لا معنى له لأنه غير موجود بالواقع أصلاً!

    على نفس القياس يمكن فهم المشاهد المتتالية/ المتوازية/ المتقابلة بالفيلم. فإذا قال المسلم نكتة وجب على المسيحي أن يقول مثلها؛ و إذا حدث للعائلة المسيحية حادثٌ تجده يتكرر للمسلمين بدون تأخير... و هكذا طوال الفيلم.

    افترض المؤلف تقابلاً ثقافياً و عددياً كي يحافظ على توازي الفيلم. و هو افتراض غير دقيق لأنه في النهاية لا يناقش القضية الطائفية من منظور واقعي بل من منظور متوازي. الواقع يقول أن هناك فرق عددي و ثقافي و اجتماعي بين الفريقين. ذلك أن دور المسلمين في المشكلة الطائفية مختلف تماماً و لا يقابل بأي شكل من الأشكال دور المسيحيين. ربما لهذا يمكن القول أن الفيلم حول "المشكلة الطائفية" و لكنه ليس عنها، و الفارق كبير!

    لم يجهد صنّاع الفيلم أنفسهم في تقديم الجانب المسيحي بشكل حقيقي فعلاً (و إن كان الفيلم هو أكثر الأعمال السينمائية اقتراباً من الحقيقة!). أنا شخصياً لا أستعمل كلمة "الرب" أبداً عند الإشارة لله كما يفعل "المسيحيون السينمائيون" بلا داعٍ! و لا أعرف أحداً يصلي "أبانا الذي..." في وسط صالة المنزل راكعاً، و لا عند إبرام العقود (افتراض آخر أن "أبانا الذي" تقابل "الفاتحة")؛ و ليس بالمنازل المسيحية صوراً بهذا القدر المبالغ فيه (غالباً لا يحتاج المسيحيون لتأكيد هويتهم، لأن في بيوتهم لا يوجد مشاهدون للسينما!)، و لا يرسم المسيحيون الصليب طوال الوقت. الغريب أن تجد هذه الأخطاء "الشائعة سينمائياً"في عمل يفترض أن يشكّل الجانب المسيحي فيه نصفَه، مما يعني أن أحد عوامل الأزمة الطائفية هو غياب الفهم الحقيقي بين الطرفين.

    أمّا إقحام الأسكندرية على الأحداث فليس له مبرر إلا إذا كان المؤلف ينوي عرض أحداث الأسكندرية الطائفية، و هو ما لم يحدث! فلم يخرج الناس إلى الشوارع كي يتقاتلوا لأن شيوخ المساجد و القسوس دعوهم لذلك؛ بل لأن مسرحية تسربت من الكنيسة و فيها إساءة للمسلمين، و باقي الأحداث معروفة للجميع. لهذا لم تكن مشاهد العنف المتبادل مبررة و لا منطقية بالمرة.

    المشهدان الّذان عَلقا بذاكرتي هما مشهد الصلاة المتبادَلة (حين يصلي البطلان كلٌّ في مكان العبادة المقابل) و المشهد الأخير حين يعبران متشابكين موجة العنف. تلحق الإصابة بوجه المسيحي ثم المُسلم، و في رأيي أن هذا تعبيرٌ حقيقي عن مصير الوطن.

على جبل نبو...

 

وَارتَقَى مُوسَى جَبَلَ نَبُو إِلَى قِمَّةِ الْفِسحَةِ مِنْ سُهُولِ مُوآبَ الْمُقَابِلَةِ لأَرِيحَا، فَأَرَاهُ الرَّبُّ جَمِيعَ الأَرضِ مِنْ جِلْعَادَ إِلَى دَانٍ،

وَأَيضاً أَرَاضِي نَفْتَالِي وَأَفْرَايِمَ وَمَنَسَّى وَسَائِرَ أَرضِ يَهُوذَا الْمُمْتَدَّةِ إِلَى الْبَحْرِ الأَبْيَضِ الْمُتَوَسِّطِ غَرباً.

وَكَذَلِكَ النَّقَبَ فِي الْجَنُوبِ، وَوَادِي نَهْرِ الأُردُنِّ، وَأَرِيحَا مَدِينَةَ النَّخِيلِ حَتَّى صُوغَرَ.

وَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «هَذِهِ هِيَ الأَرْضُ الَّتِي أَقْسَمْتُ لإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحقَ وَيَعقُوبَ أَنَّنِي سَأَهَبُهَا لِذُرِّيَّتِهِمْ. قَدْ جَعَلْتُكَ تَرَاهَا بِعَيْنَيكَ وَلَكِنَّكَ إِلَيْهَا لَنْ تَعبُرَ»

[سفر التثنية - العهد القديم]

شارك معنا - حوار مفتوح

"مسلحان يقتحمات محل مجوهرات يملكه قبطي يطلقان النار فيقتلان صاحب المحل و أربعة من العمال وجميعهم من الاقباط"


ماذا حدث بالضبط في الزيتون؟

و ما دلالات هذا الحادث؟

هل الحادث طائفي؟

هل في مصر مشكلة طائفية حقيقية؟

من يملك الحل للخروج من الأزمة؟

مبادرة "مصارحة و مصالحة" تدعو لحوار مفتوح و محايد حول الحادث و ما يتعلق به.

موتٌ و قيامة

أرسلته الأمُّ

- المسيحَ الشابَ -

للشراء؛

كي يحضرَ خُبزاً و جبناً

للعشاء.

...

وقف المسيحُ في الطابور،

في الزحام.

يشتد حرُّ الشمس

فوقه؛

و قد أحاطه

جمعٌ غفير.

   read more »

عزازيل

    "عزازيل" هو اسم رواية يوسف زيدان الثانية و التي صَدرت مؤخراً عن دار الشروق. جذبني الاسم في البداية لقراءتها. "عزازيل" هو أحد أسماء الشيطان في التقليد اليهودي - المسيحي، لهذا تصورت أن الرواية تتحدث عن الشيطان أو عن عالم ما وراء الطبيعة. لكن الرواية بَدت أكثر متعةً و تشويقاً و - أيضاً - عُمقاً!

    ينسج المؤلف خيوطه المحكمة من أول صفحة. و يقدّم صفحات الرواية كترجمة لرقائق وُجدت مكتوبة منذ القرن الرابع. و يختلق قصةً عن المترجم كي يؤصل للجو التاريخي للرواية. ثم ينتقل الحديث للراهب "هيبا" المصري الذي يكتب الرواية على لسانه (و إمعاناً في اتقان الحبكة، فإن الهوامش تحوي تعليقات للناسخ العربي و للمترجم أحياناً). هكذا يدخل القاريء في جوِ تاريخي محكم شبه - حقيقي، خاصةً مع ظهور الشخصيات الأخرى للرواية و التي هي شخصيات تاريخية حقيقيّة. فباستثاء "هيبا" و محيطه، فإن جميع شخصيات الرواية الأساسية حقيقية: "نسطور" أسقف القسطنطينية، "كيرلس" أسقف الأسكندرية، "هيباتيا" العالمة و الفيلسوفة... من روعة الرواية أن جعلت من هؤلاء الشخصيات - الذين هم صفحات تاريخية صامتة - أبطالاً من لحمٍ و دم، يتحاورون و يتناقشون ، يحبّون و يكرهون و يتفاعل معهم القاريء!

    يزداد الجوُ واقعية بالأوصاف الجغرافي العبقرية للأماكن. فالمكان في رواية "عزازيل" يلعب دوراً أساسياً و فاعلاً في الأحداث. فمن خلال رحلة "هيبا" - التي تدور حولها الأحداث - و ذكرياته عن رحلات سابقة، تتبين الشخصيات و المواقف قليلاً قليلاً. و قد أثبت المؤلف موهبة حقيقيّة في وصف الأماكن للقاريء، كذلك فإن امتزاج الأحداث الواقعي بأحداث الرواية جعل الأماكن أحياناً تعبر الزمان لتتجسد أمام القارئ الذي يعرف تفاصيل هذه الأماكن جيداً (الاسكندرية كمثال).

    تشعر أثناء القراءة أن المؤلف يكتب "على مهل"، فالتفاصيل لها قُدسيتها لديه. ربما يتوقف عند فستان "مرتا" مثلاً لصفحتين، لكنك مع ذلك لا تشعر تكلفاً و لا مللاً. فالمؤلف متمكن للغاية من اللغة (و محيط أيضاً باليونانية و القبطية و السريانية باتقان) بقدر ينقل إليك الصورة بحيويتها و صفائها كأنك تراها. كذلك فإن إتقانه للغات المختلفة جعل القاريء الذي لا يألف التعبيرات الكنسية أو التاريخية لا يفقد متابعته للرواية. فهو يقدم الألفاظ الغريبة في سياق واضح أو ملحقة بشرح غير خارج عن هذا السياق.

    ليست الحوادث هي أهم ما في الرواية، بل تفاعل الشخصيات معها. فالحوار اللاهوتي القائم بين "كيرلس" و "نسطور" مثلاً ليس مهماً إلا بقدر ما يلقي الضوء على حيرة "هيبا" و شكوكه و تساؤلاته الداخلية عن الله و الكون من حوله. ربما لهذا هي ليست رواية تاريخية بقدر ما هي داخلة في عمق الأسئلة الإنسانية عن الإيمان و الحياة و الحب. و انطلاقاً من التاريخ، يأخذك الكاتب في رحلة شديدة الغنى و العمق بين الفلسفة و الإيمان، الغريزة و التحرر من الجسد، الغيرة و الحب، الرحيل و البقاء...

    ربما لهذا تغافل المؤلف بعض التدقيق في التفاصيل اللاهوتية و التاريخية أحياناً.لا يمكن أن يكون هذا التغافل على سبيل الخطأ، فالمؤلف ملمّ بشكل ممتاز بالسياق التاريخي و اللاهوتي للرواية؛ ربما لهذا يبدو أن بعض التفاصيل قد أسقطت أو عُدّلت كي تناسب السياق الدرامي. و هذا أمرُ مقبول على اعتبار أن الرواية ليست لاهوتية و لا تاريخية، بل أكثر عُمقاً و شمولاً. لكن الرواية - و إن كانت في المطلق عن بحث الإنسان و تساؤلاته الوجودية - فإنها اتخذت من التاريخ و من اللاهوت جسداً. أظن - و هذا رأيي - أن الدقة لم تكن لتتعارض مع السرد البديع.

    إن شرح "نسطور" مثلاً لوجهة نظره عن طبيعة المسيح بدا أقرب للاهوت الإسلامي عن لاهوت "نسطور". و الواقع أن "نسطور" لم يكن تنزيهياً بالقدر الذي صُوّر به بعد ذلك - في اللاهوت الرسمي و اللاهوت النسطوري و بالتالي في الرواية - بقدر ما كان عقلانياً. فإن تصوره عن اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص يسوع المسيح كان يصطدم بمشكلة الزمن - و تحديداً بسني حياة يسوع المبكرة و بموته - من هنا فإنه قدّم فكرة "المصاحبة" التي تقول بحلول اللاهوت في جسد "الإنسان" يسوع منذ لحظة العماد و حتى الموت. لم يكن "نسطور" ينطلق من مبدأ تنزيه الله عن الاتحاد بالإنسان كما بدا بالرواية (و هو التبرير الذي يقبله القاريء المسلم بسهولة و يتعاطف معه)، بقدر ما كان يحاول إيجاد مدخلاً عقلانياً لهذا الاتحاد الذي اتفق مع "كيرلس" بوجوبه و وجوده.

    كما أن لاهوت "كيرلس" لم يكُن أمراً مستحدثاً كما صوّر الكاتب. بل أن تعبيرات "كيرلس" عن "طبيعة واحدة للكلمة المتجسد" مازالت تعتبر - إجماعاً و على اختلاف الطوائف - من أساسيات اللاهوت المسيحي. أما رسائله "ضد نسطور" فهي من أدق ما يمكن قراءته في شرح اللاهوت المسيحي. إن "كيرلس" يبدو في الرواية كمهووس بالزعامة و متاجر بالدين. و الواقع أنه بالطبع ملومُ في حادثة مقتل "هيباتيا"، لكنه لا يمكن الحكم عليه من منطلق حادثة واحدة و قياس تصرفاته كلها عليها. في الرواية هو يمثل السلطة الدينية الرسمية - عامةً - و إجاباتها الجاهزة؛ لكنه في المقابل قد ظُلم - كشخصٍ تاريخي - في تقديمه بهذا الشكل.

    على هذا المثال قُدمت كنيسة الاسكندرية بشكل أقرب للهوس الديني و الفاشية. يهدف المؤلف لتصوير التدين الرسمي و الشعبي و هذا مفهوم، لكن كنيسة الاسكندرية لم تعرف أبداً في تاريخها "جماعة محبي الآلام" التي تم الإشارة إليها أكثر من مرة في الرواية! كما أن مقتل "جورج الكبادوكي" لم يكن عملاً دينياً بقدر ما كان ثورة شعبية ضد رئاسة دينية مفروضة بقوة السياسة و في ظروف نفي للرئاسة الدينية الشرعية. كذا نظرية موت "آريوس" مسموماً و إن كانت تعطي مصداقية للرواية فإن حولها علامات استفهام بما لا يجوز معه تقديمها مرتين كأحد المسلّمات!

    و بعض المسلّمات المذكورة بالرواية غير حقيقية أصلاً. "طاطيان" لم يكن وثنياً بل ظل مسيحياً حتى موت "يوستين الشهيد" ثم تحول للغنوسية. "قسطنطين" لم يعقد مجمعاً لحرق الأناجيل غير القانونية و لم يمنع تداولها.، و لم يشكّل لجنة للتفتيش عنها في البيوت و الكنائس! "يوحنا الأنطاكي" تخلى بالفعل عن "نسطور" و وقع وثيقةً للاتحاد مع "كيرلس". الأقنوم ليس هو الطبيعة، و "كيرلس" كان يكتب باليونانية و ليس بالقبطية ...

    على أن هذه التفاصيل لم تفقد الرواية متعتها و عمقها؛ هي في مجملها رائعة. لغة متقنة، تصوير عبقري، جو تاريخي محكم، و أسئلة شائكة ترحل بالقاريء - مع "هيبا" الراهب - بين الاسكندرية و أنطاكية؛ و الأهم أنها ترحل به داخل ذاته!

هلوسة - 2

1

أنا داخل حُفرة عميقة. لا أستطيع رؤية الضوء إلا خافتاً من أعلى. تقف هي أمامي مبتسمةً في زي راهبة. أخشى أن أقبلّها؛ لا أعرف لماذا قررت أن تصير راهبةً دونَ أن تخبرني. لو أنها كانت أخبرتني، هل كنتُ سأثنيها عن الاختيار؟ أم أن حبي لها كان ليصيرَ أكثر تحريراً و تفهماً؟ تبتسم هي و لكنها لا تتكلم. و أنا داخل الحفرة أصارع كلَّ شيء: الظلام و النور الخافت و هي و ابتسامتها و وحدتي!

لا ينتهي الصراع، حتى تفتح شفتاها: " و لماذا لا تصيرَ راهباً مثلي؟" 

2

يتوقف العازف فجأةً عن موسيقاه. تنصرف الجماهير غيرَ آملةٍ في المزيد. لماذا لم يصفقوا له حتى قبل أن ينصرفوا هكذا؟ أجلس في الصالة وحدي و أصفق بحرارة. لا أصفق لأن العزفَ أعجبني بل لأن الجماهيرَ تركت العازف دون تحيّة. أراجع في ذاكرتي الحفلَ؛ يبدو أن العازفَ لا يستحق كلّ هذا التعاطف! فهو على الأرجح لم يُجهد نفسه في تقديم شيء ذي أهمية. ربما أن الجماهيرّ قد جاملته بالجلوس حتى نهاية المقطوعة، أو حتى توقفه المُفاجيء عن العزف. أقرر أن أتوقف عن التصفيق و أخرج. لكنه كان أكثر دهاءً مني، لقد انحنى في زهوٍ لتصفيقي؛ ثم خرج سريعاً قبل أن أنتهي. و حين توقفتُ عن التصفيق بغية مُعاقبة العازف، ألتفتُّ إلى المسرح فوجدته خالياً.

 

3

بالأمس قابلتُ إلهاً في حانة قديمة. كان يبدو منهكاً بعد يومٍ من العمل. سألته كيف صار إلهاً، فأخبرني أنه لم يعرف من قبل وظيفةً غير هذا؛ و أنه كان ليتمنى لو يعمل شيئاً آخر أحياناً كثيرة. قلتُ له أنني كثيراً ما تمنيتُ أن أصيرَ إلهاً لكنه ابتسم في سخرية و سألني : "فلماذا إذاً لم تأكل من الشجرة المحرّمة؟" قلت أني لم أعرف أبداً أين هي و أنني لو كنتُ أعرف مكانها لما ترددتُ في الأكل لحظةً.

أعطاني رسماً لمكان الشجرة و زجاجة ماءً و أمنياتٍ طيبة. شكرته و أنا حانقٌ عليه و على الآلهة جميعاً. لماذا وَجب أن آكلَ من الشجرة كي أصيرَ إلهاً؟ ألم توجد الآلهة من دون أن تتذوقها؟ أم أن للآلهة شجرةً محرمة أكلوا منها قبل أن يخلقونا؟

 


هي...

" و كُنتُم أمواتاً فأحياكُم ثمّ يميتُكُم ثمّ يُحييكُم ثمّ إليهِ تُرجَعون "

[ سورة البقرة - قُرآن كريم] 

هلوسة

1

"هل يمكننا تأجيل الأمرَ أسبوعيَن؟"

كنتُ أتوسّل إليهم، و كان في عيني دموعٌ.

"- الأمرُ لا بدَّ منه... يجب أن توقّع الإقرار الآن!

- حسناً، اليومَ تستأصلون الغدد الليمفاوية. أما الحنجرة، فاتركوني أسبوعين بها. بعدها أعود لإجراء الجراحة."

يفكّرون، و يبدو عليهم الرفض؛ ثم...

يرنّ جرس المنبّه!

يا الله! الحلم يتكرر لليلة الثالثة على التوالي. الأطباء - زملائي- يصرون على استئصال حنجرتي، و يستكتبونني الإقرارَ أمام غرفة العمليات. التوتر سيد الموقف، العمّال يروحون و يجيئون. ممرضة تنظر لي في تشفٍّ أو شفقة (لا أستطيع التمييز!). الزملاء يلحون، مصلحتي في العملية. أرفض التوقيع دائماً، لكنني في نهاية كل مرة أرضخ لرغبتهم عارضاً أن يقسموا عمليتهم على مرحلتين. في النهاية أنا لم أجرب الحياة بدون حنجرة و بالتالي لا أستطيع أن أحكم بحياد. لا أتبين السبب الذي يستوجب العملية جيداً، سرطان؟ التهاب حاد؟ أحد الزملاء يحتاج بشدة لأن يتمرن؟ لا أذكر بدقة! في كل مرة كنت أطلب مهلةً أسبوعين قبل استئصال الحنجرة. و في كل مرّة ينتهي الحلم دون أن أسمعَ الرد.

لماذا الحنجرةُ بالذات؟ أستيقظ مرعوباً؛ أتحسس رقبتي، أتأكد أن ليس بها صفارة و لا جروح. أنطق بكلمات لا معنى لها، فقط لأتأكد أن حنجرتي ماتزال في مكانها!

2

لا شكّ أن الأصنامَ على قدرٍ من الجمال، و إلا ما استدعى تحطيمها شجاعةً هائلة! هكذا حدّثت نفسي في كبرياء و أنا أنفض غبارَ آخر الأصنام عن يدي المتسختين. أنزل بيدي نحو جسدي كي أنظفهما. لا أجد الجسدَ كاملاً! أتساءل إن كان جسدي هكذا قبل مهمتي الأخيرة أم لا. لا يسعفني الوعيُ حقاً. أين راح جسدي؟ لا أملك الآن سوى يدين متسختين من تحطيم ما ظننته صنماً...

يختفي كبريائي قليلاً قليلاً خلف الحجارة المنهدمة. و يطلع الشك من ذات المكان. أتأملُ جمالَ الحجارة المتهدمة، ثم قُبح جسدي الناقص. يتضح الأمرُ في ذهني ببطء.

لا شك أن الأصنام و الأجساد أيضاً على نفس القدر من الجمال، و إلا ما استدعى تحطيمُ الأصنام قدراً من التمييز لا يتوفر لبشر!

3

إنها تصر أن تزورني قرب الفجر. أفهمتُها من قبل كثيراً أنني أفضل النوم حتى الصباح، لكنها لا تغير من عوائدها بسهولة! يبدو أنها تحب أن أكون معها نصفَ نائم أو نصفَ متيقظ - لا فرق! - في الحالتين أنا نصفُ إنسان. أما نصفي الآخر فهو خليطُ بين الإله و الوحش. ربما لهذا هي تحب هذا الوقت من اليوم أو من ما قبل اليوم - لا فرق! - في الحالتين لا يكون للزمن ذات المعنى المادي الذي يصير له مع صياح أول ديك و نداء أول بائع. هي تحبني خارج الجسد، و خارج الزمن!

لو أمكن لي أن أصنع جهازاً يرسم رؤى العقل و يكتب كلامَ العيون لوصفت لقاءَنا. أما الآن فأنا لا أملك سوى يدين يكتبان داخل الزمن ما حدث خارجه، و عينين لا تتكلمان إلا في سطورٍ مكتوبة!

لو أمكن لي أن أكتب و أنا نائمُ - أو حتى نصف نائمٍ - لصرتُ أعظم كتّاب الأرض!

4

حكيتُ لليمامة القصةَ كاملةً، ضحكت حتى دمعت عيناها. "ليس عندي شك أنك أحمق يا صديقي!"

ليس عندي سوى اليمامة أحكيها حكاياتي التي لا يطيق أحدٌ سماعها. لكن صديقتي أبداً لا تندهش من الحكايات. لقد وسعت عيناها أول مرة حكيتُ لها؛ ظننتُ أنا أنها الدهشة. فصرتُ آنس لها كلما ضاقت بفمي الحكايات حتى كادت تفيض. لكني لم أرَ عينيها متسعتَين بعدها أبداً؛ و كنتُ أسميه تعباً أو حزناً.

اليومَ نفسي مثقلة بحكاياتي، واليمامة عيناها نائمتان.

أخذتُ سكيناً من دُرج المطبخ، و نزلتُ به على عنق اليمامة.

الليلة تعشيتُ يماماً محشواً بالأرز، و ابتلعتُ معه حكاياتي.

صلاة

كان واقفاً على الشط المُقابل للمستشفى؛ حين اقتربتُ منه. كان صوته صراخاً أقرب للعويل:

"أنتَ راجل؟

أنتَ أكيد مش راجل! 

أنتَ مش ممكن تكون راجل أبداً... 

ما هو أنتَ لو كنت راجل ما كنتش عملت كدة.

لو كنت راجل ما كنتش خدتها و سبتني..."

ثم بكى دون أن ينطق بكلمات. و لما رآني ماراً بجواره، رفع عينيه في تضرع نحو السماء:

" يارب حرام عليك،

ما تخلنيش أغلط فيك بقى... الله يسامحك!"

....