استفتاء

أجري مسرعاً من غرفة العمليات على أمل اللحاق بالاستفتاء قبل حلول السابعة مساءً. كان اليوم شاقاً، و قد تخللته نقاشاتٌ كثيرة مع زملاء العمل حول التعديلات و الموقف ما بين المشاركة أو المقاطعة. في يدي منذ الصباح نصُّ التعديلات، أحاول أن أقيّمها بموضوعية على أنني سرعان ما افقد حياديتي بعد سطورٍ قليلة. في منتصف النهار كنتُ قد حسمت موقفي نهائياً بالمشاركة و الرفض.
...
أصِل إلى القسم في السادسة وربع، أسأل الشرطي:
"- عايز اعرف لجنتي فين.
- خلاص الميعاد خلص.
- لأ، الاستفتاء ينتهي الساعة 7 مساءً.
- الأستاذ شعبان معاه الكشوف، و هو مشي و قال لو حد سأل عليه هايكون في المدرسة القومية.
أنظر إليه في تشكك.
- لأ، أنا مش باضحك عليك! بس على فكرة يا أستاذ يعني، أنا لو مكانك ما كنتش هاوجع دماغي و أدوّر على اللجنة ولا أروح اصلاً. انت عارف يعني كلّ دي تمثيلية. (يضحك في تحاذق)
- لما تبقى حضرتك مكاني ابقى اعمل كدة!"
أتركه مسرعاً في اتجاه المدرسة المقصودة. على باب القسم أقابل صديقين يسألان عن اللجنة فاصطحبهما معي إلى المدرسة.
...
على بوابّة المدرسة القوميّة لافتة:
"مصر تحلّق مع النسور، بموفقتها على تعديل الدستور!"
ألمح العسكَر الجالسين في بؤسٍ امام البوابة، و أسرع في اتجاههم.
يستقبلنا ضابطٌ، أسأله عن الجداول الانتخابية.
"- و كنت فين من الصبح؟
- كنت في شغلي.
- خلاص، يعني جاي "تنتخب" الساعة 7 إلا ربع؟
- هو الحكومة قالت من 8 صباحاً إلى 7 مساءً. و على هذا الأساس ممكن آجي في الوقت إللي يعجبني؛ و حضرتك شغلتك أنك تساعدني في الإدلاء بصوتي.
- أنا شغلتي أأمن اللجنة
- و أمنتها؟
- هاتهزر؟
- أنا عايز أعرف هادلي بصوتي في أنهي لجنة.
- الموظف مشي، ممكن تطلع تشوف اسمك بنفسك في الكُشوف."
...
أصعد درجات السلّم مُسرعاً و أقلب الأوراق المعلّقة على مداخل اللجان. أجد اسمي بمساعدة أحد الضباط في الملابس المدنية.
"- على العموم ممكن "تنتخبوا" كوافدين من غير ما يكون اسمكم في الجداول!
- بعد كل ده؟!!"
...
تبدو اللجنة خالية تماماً من المُستفتين. أدلي بصوتي بسرعة بينما يحاول الضابط - المدني مراقبتي. أغلق الستارة خلفَ ظهري ثم أضع الورقة بسرعة في الصندوق. أحاول أن أحصي عدد الأوراق به و أظنّها لم تتجاوز الثلاثين.
ينتظرنا الضابط عند باب اللجنة:
"- أنتم عارفين انتخبتم إيه؟
- تقصد إيه؟
- أقصد أن معظم إللي عدّوا عليا النهاردة ما كانوش عارفين المواد المُعَدّلة من الدستور و منهم ماكانوش عارفين إن ده استفتاء على الدستور أصلاً.
- يمكن ماكانش فيه معلومات كفاية؟
- أكتر من إللي اتعمل؟
- فيه فرق بين الإعلام الدعائي و الإعلام الإرشادي.
- متهيألي المعارضة كمان عملت دعاية مضادة للاستفتاء. أنا مش فاهم يعني عشان مادتين بس عملوا كل الهلّليلة دي!
- فعلاً المعارضة بقالها شهر بتعمل كل يوم برنامج بالليل على القناة الأولى عن تعديل الدستور، و عندها 3 جرايد كل يوم بتعمل دعاية للتعديلات إللي اقترحها الرئيس...
- بس الناس بتقرا جرايد المعارضة أكتر.
- تفتكر ده معناه إيه؟"
...
يصمت، فأسأله:
"- كان في قاضي في اللجنة النهاردة؟
- جه مر و مشي على طول.
- أمّال مين أشرف على اللجنة؟
- موظف!
- و هو فين؟
- مشي من ساعة كدة!"
...
بينما أغادر اللجنة، ألمح الدكتورة أمال عُثمان في طريقها للدخول. معها أربعة رجال يحيطون بها، تتوجه إلى الضابط الّذي فرغتُ من الحديث معه:
"- هه إيه الأخبار؟
- تمام يا فندم، اليوم مرّ بسلام و 90% من إللي شاركوا كانوا موافقين على التعديلات."
...
أسرع بخطوتي خارجاً إلى الشارع، أبكي و أضحك في سرّي على صوتي الّذي ضاع في زحام الموافقة!

Reply

The content of this field is kept private and will not be shown publicly.
  • You may write mixed Arabic and English freely, line direction will be computed automaticaly

More information about formatting options

CAPTCHA
This question is used to make sure you are a human visitor and to prevent spam submissions.