هوامش على دفتر "الزائدة"

"لحظة الاستيقاظ بالنسبة إليها سعادة خالصة:

فهي تتعجّب في سذاجة بَلهاء من أنها لا تزال في هذا العالم.

فتُسرّ لذلك صراحةً."

[ ميلان كونديرا - كائن لا تُحتمل خفتّه]

1

ما أتذكّره لحظة استيقاظي من التخدير هو شعورٌ بالبرد الشديد يقارب التجمد، و صراخي بشكل شبه هستيري في طلب غطاء. يقابلني وجه جامدٌ لرجل في خمسينيات العُمر - ربما جرّاحٌ هو! - و هو يدعوني أن أخفض صوتي (أو لا أصرخ؟ لا أتذكر تحديداً) ثم يسرع بخطاه. ثم أبي يقترب مني ليضع عليّ ما يدفئني.

أتعرّف على الوجوه، ألمح أصدقاءً فأستريح. أصمت قليلاً. يخبرني صوتٌ - أتبين بعد ذلك أنه الجرّاح - أن العملية قد تمت بنجاح و أن الزائدة "كان لازم تتشال!". أنتظر في الممر حتى يحضرون سريراً ينقلونني عليه. أشعر بالعجز التام، يزعجني الشعور و لكنني لا أستطيع التخلص منه.

في الطريق أتابع بعينيّ السقف، فالسرير مسطّح تماماً.أنا الآن فوق نفس السرير الّذي اعتادته عيناي. دائماً ما كنتُ أتساءل عمّا يراه المَرضى وقت نقلهم، و عن هذا الشعور العجيب بالسرعة و عدم الاتزان بينما يجّر السرير عاملان (في أحسن الظروف) لا يشغلهما سوى العودة لغرفة العمليات أو الحصول على "بقشيش" من أهل المريض. أنا الآن في السرير ذاته، تجرّني عاملةٌ لا أتبين ملامحها، لكنها تبدو جادة. أتخبط في الجدران فيؤلمني الجرح. أسألها أن تبطيء قليلاً أو تنتبه عند المُنحنيات، و ما أكثرها، لكن رجائي يبدو روتينياً لها. كم مرة يا ترى رجاها مرضى أن تترفق بهم؟ و ما الذي يجعلها تستجيب هذه المرّة لمريضٍ قالوا لها أنه أكثر خبرة بالمستشفيات من الآخرين؟

2

أصل إلي ما يفترض أنه غرفتي. أتذكّر الأصوات جيداً. التليفزيون يزعجني فأصرخ طالباً إيقافه. يعبر أناسٌ لا أعرفهم. أكتشف انني في غرفة مشتركة! يطفيء أحدهم التليفزيون فأتبين ضوضاءَ أخرى من زميل الغرفة و زوّاره و من مسجّل يذيعُ قرآنَ بصوت عالٍ. أصرخ احتجاجاً على الضوضاء، لكن أحداً لا يفعل شيئاً هذه المرّة. أتقيأ بصوت عالً، تحضر لي صديقةٌ منديلَ كي تمسح به فمي. أول مرة أبتسم منذ خروجي، و جهها يريحني و يطمئنّي. أطلب من الممرضة ان تعطيني مسكناً، لكنها تشير إلي زجاجة دواء معلقةً و متصلةً بذراعي: "لما يخلص الفلاجيل!"

- لا أريد الفلاجيل، أريد المسكّن الآن!

تتجاهلني و تخرج في هدوء.

يطمئني أهلي أنهم سينقلونني إلى غرفة مفردة. "ينقلونني؟ مرة أخرى؟"

3

الطريق إلى الغرفة الجديدة يمرّ عبر العاملة الجادة نفسها. تتكرر النداءات و الوعود. نصل إلى الغرفة أخيراً. تخبرني أن عليّ أن أنتقل إلى سرير الغرفة لأن سريري لا يمكن أن يدخل. أطيعها في استسلام. لكن صديقاً يقترح حلاً يبدو أنه صائب. و بشيء من النظام أجد الناقلة بجانب السرير كما هو مفترَض. الآن أفكّر في مرضاي، كل هذه الخطوات عليهم أن يمروا بها وحدهم في المستشفى العام. لا بد أنهم مقاتلون حقاً!

يمر بخاطري مريضٌ، و قد جاز عملية كبرى حقاً. لكنه تأخر في الوصول إلى القسم. ذهبت أبحث عنه في العمليات فقيل لي أن في طريقه عبر المصعد. وجدته في الطرقة، يحيط به أقرباؤه منتظرين مصعد المبنى الآخر. يخبرهم العامل في لا مبالاة، و هو يدخن سيجارة: "الأسانسيرات عطلانة" أفحص المريض بسرعة في الطرقة. يحمله أقرباؤه على أكتافهم للدور الخامس صعوداً. لا بد أنهم مقاتلون حقاً! أغمض عيني ببطء.

4

لا أستطيع تذكّر الليلة بدقة. لكنني بالتأكيد اتذكر وجوهاً محببة إلى قلبي حول فراشي. النوم متقطع، يقطعه ألمٌ من الجرح أو من حوله. أستيقظ مع أول شعاعٍ للشمس. الهاتف يرن و من ساعتها لا يتوقف. منتصف النهار، أشعر أنني أريد بعضَ الوقت لحالي، لكنني لا أستطيع أن أخبر الزائرين. يمرّ اليوم ما بين زوارٌ و كتبٌ و ألمٌ و إغفاءات. في الليلة الثانية أبيت وحدي. أكتب بعض الملاحظات عما يلاقيه المريض الخارج لتوه من عملية جراحية. أفكّر في مرضاي و أسئلتهم بينما أمرّ عليهم. شكواهم من الألم الشديد و القيء أو الدوار؛ أفكّر في إجاباتي السطحية و السخيفة لهم. هل أدركتُ أبداً ما كانوا يجوزون؟ تمرّ وجوههم أمامي و تملأ الحجرة. الآن فقط أستطيع أن أدّعي إقترابي من سرّهم الغامض، الآن أستطيع أن أدرك - و لو من بعيد - ثقلَ صليبٍ يحملونه يومياً صاعدين نحو جلجثتهم الخاصة.

5

أعود إلى المنزل في الصباح. أتحرك قليلاً قليلاً. يزورني أصدقاءٌ و معهم كتبٌ و جرائد. أنا في راحة إجبارية لأسبوع على الأقل. أحاول أن أرتب لكتبٍ أنوي قراءتها و أفلامٍ أشاهدها. حتى الان يأسرني كونديرا و الخفة التي لا تحتمل. أنوي الفراغ من مقالتين لتسليمهما. هي إذاً فرصة للهدوء و الاستراحة قليلاً - و لو بالإجبار!

Reply

The content of this field is kept private and will not be shown publicly.
  • You may write mixed Arabic and English freely, line direction will be computed automaticaly

More information about formatting options

CAPTCHA
This question is used to make sure you are a human visitor and to prevent spam submissions.