كنتُ لتوّي مُنتهياً من عملي، حين شاهدتُ الخبرَ على "الجزيرة". بدا لي أن مشكلةً بالأفُق، و كان توقعي صحيحاً. فلقد تحرّكت الأمور في بضع ساعات، و بينما هي اليومَ في طريقها للهدوء من جديد؛ فإن هذا الهدوءَ يبدو هشّاً. كأن ناراً قد خمدت و لكنها تنتظر من يشعلها من جديد
من ثلاثة أيّام، قرأت محاضرةَ البابا - المشكلة - في نسختها الإنجليزية. في المُجمَل - و بعيداً عن مناطق الخطر - فقد أعجبني الموضوع و معظم المضمون. كانت تلك لتصيرَ محاضرةً مهمّة إن نُقل مضمونها و نوقش من المفكرين. على أنّ المحاضرة قد عرفت طريقاً أخرى للشهرة، طريقاً أسرع و أوسع انتشاراً! ثم تلى الأزمة ردودُ أفعال، و عادةً ما تكون ردود الأفعال - و بالأخص في الشرق - أوسع انتشاراً من الأفعال الأصلية. كذا ظهرت معانٍ لمن يتابع الأمور بتأنٍّ و تأمل.
1
يعلم البابا جيداً ما يقول. و له لجانٌ تُراجع ما يصدر عنه. لذلك فإن الحديث عن كونها "مجرد" فقرة في محاضرة هو حُسن نيّة أو تبسيط لا معنى له. بالفعل البابا قال كلاماً يثير المُسلمين، و قد أثارهم. و في الغالب فإن اثَر كلامه كان يُمكن بسهولة توقّعه في ضوء أزمة الدنمارك القريبة.
هناك على النقيض تصعيد في طريقة نقل هذا الكلام. عرضه كخبرِ رئيس يالنشرة الأساسية للجزيرة، التكرار المستمر له، التحليل و العرض و السؤال و الإجابة كل دقيقة؛ ثم اختيار توقيت البث يومَ الخميس عصراً أي بعد يومين من المحاضرة - و عشيّة صلاة الجُمعة - كلها أمورٌ لا يمكن تفسيرها بالمصادفة و لا بحُسن النيّة
2
تتوالى رسائل البريد الألكتروني: "أسرار وراء كلام البابا عن الإسلام و نبيه" - "رد على مزاعم السفهاء" - "الإسلام جاء للعقلاء فقط" - قصيدة في هجاء بابا الفاتيكان"... إلى آخر هذه السلسلة التي لا تنتهي من ردود الأفعال الغاضبة، و التي هي - في الوقت نفسه - متحفزة للغاية و مهاجِمة لكل ما تحسبه آخرَ بلا تمييز و في مقامٍ أسمته دفاعاً.
فأنا لا أجد معنى لآن يبعث أحدٌ رسالةً للرد على عبارات محاضرة البابا يسخر فيها من عقائد المسيحيين أو ممارساتهم. و إذا ابتعدنا عن مجال الرسائل الألكترونية، فإن الهجوم على كنائس لا يحل المشكلة - كما حدث في غزة - و لا إعدام المسيحيين هو الرّد المناسب على محاضرة أكاديمية - كما حدث في إندونيسيا
3
الخطأ الذي وقع فيه الجميع - في الشرق - هو الوقوف في موقف الدّفاع. بسرعة توالت المقالات و المحاضرات عن "كيف لم ينتشر الإسلام بالسيف" و عن " ما هو إنساني في رسالة الإسلام" و ما يشبه. لذا فقد وُجّه الحديث عن الإسلام إلى الأدب الدفاعي فقط و كأن الإسلام - و المسلمون - ليسوا إلا متلقّين، دائماً صوتهم هو رد فعل لأزمة أو لاتهام؛ لكنهم ليسوا فاعلين ولا مبادرين."apologetic"
أما مسيحيو الشرق فقد سارعوا بغسل أيديهم من دم بابا الفاتيكان، و هم بهذا قد وقفوا في موقف دفاعيٍّ آخر - لكن أمام شركائهم في الوطن. و قد تصوروا أنهم بالتبعية متهمون و أنه يجب عليهم تبرئة أنفسهم بسرعة حتى لا يقع عليهم ضررٌ تصوروه واقعاً. و قد صاروا يهاجمون الفاتيكان في اتخاذه موقفاً مغايراً لما انتقدوه قديماً. ذلك أن وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني بخصوص علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية قد لاقت أيّما انتقاد من كنائس الشرق. وقتها أعلنوا تعليق الحوار مع الكاثوليك اعتراضاً على قولهم بإمكانية خلاص غير المسيخيين! اليوم قد انقلبت الآية، ففقد الفاتيكان مصداقيته لدى المسلمين، و استنكرت الكنائس الشرقية موقفاً "متشدداً" منه كانت قبل ذلك تعترض على عدم اتخاذه!
4
الحكومات العربيّة كانت أسرع من تصاعد الأزمة! هكذا استنكرت مصر ثم استدعت السفير، ثم أعلنت عدم كفاية الاعتذار الأول. طبعاً كعادة النظام، أسدٌ يلعب في هامشٍ مضمون. أما حينَ تقومَ حربُ في لبنان، فإن النظام لا يسمع بها إلا بعد يومين من قيامها، و يستنكرها بكلامِ هزيل لا يحسم موقفاً.
هي إذاً فرصة سعيدة للنظام كي يركب موجة الإسلام و حماية الدين، و هي أيضاً فرصة أسعد للمعارضين كي يزايدوا عليه في هذا (ما معنى استنكار "كفاية" لتصريحات البابا؟) . و بينما تقوم مظاهرة - مهمة جداً في رأيي - على هامش مؤتمر الحزب الوطني الرابع، فإن أحداً لا يستجيب، لأن الجميع بدا مشغولاً بمزايدات دينية تُرضي الجماهير و تسترضيهم، لكنّها في الواقع لا تخدم مصالحهم.
5
يعترض الجميع على استمرار "حوار الأديان"، و يعلن الأزهر تعليقه حتى إشعار آخر. و يتساءل المفكّرون عن جدواه و عن حقيقته، و كأنما كانوا يتصورون أن حوارَ الأديان يأمل إلى التقريب بين الأديان أو الوصول إلى إتفاق وَسَط بينهم .هل هُم بهذه السذاجة التي يبدونها حقّاً؟
هل لنا أن نستخدم كلمة تواصل بدلاً من الحوار؟ ربما التواصل يشرح أكثر ما المطلوب من الطرفين. أن نتواصل إنسانيّاً، أن يعرف أحدنا الآخر، أن نقلل من أولويتنا الدينية عند الحديث عن همومنا الوطنية المشتركة. هل يمكننا أن نصل سوياً - مسلمين و مسيحيين - إلى اليوم الذي يثيرنا فيه الفقر و الظلم و التخلف بمقدار ما تثيرنا عبارة في محاضرة أو صورة في جريدة؟ أقول "بنفس المقدار" و لا أطمع أن يكونَ أكثر!
نفاق من ناحية واستبداد من ناحية أخرى
علينا الإعتراف بأن الكنيسة الشريقة تمارس نفاقا حقيقيا على مستويين, الأول المستوى النظري, فالمسيحيين مؤمنين بفكرة ان من لم يتعمد بالروح القدس فاليس له ملكوت السموات. والثاني يخص العلاقة المتوترة بين الأقباط والمسلمين. حالة العنف الطائفي التي يعاني منها الأقباط لكونهم اقلية عددية هي احد التفسيرات الصحيحة لكنها منقوصة. إذا ما نظرنا لطبيعة علاقة المؤسسة الكنسية بالدولة, لفهمنا ان البابا شنودة, مثله مثل شيخ الأزهر, يعبر عن وجهة النظر الرسمية في ما يخص الحالة الطائفية. عندما تتصاعد الأحداث فايكون الحل الوحيد والسريع هو بعض التصريحات الصحفية المشتركة عن الوحدة الوطنية بين البابا وشيخ الأزهر, فهذا ليس الا نفاقا حقيقيا لا يخدم إلا فكرة "بقاء الوضع على ما هو عليه". الأقباط لهم حقوق كمواطنين مصريين, لا يحصلوا ابدا عليها. ليسوا المسلمين الأشرار هم السبب, فكلنا في الهم واحد, لكن لأن الوضع العام اكثر استبدادا من ان يعطي بعض الحقوق المدنية والقانونية للأقباط. لا يستطيع الديكتاتور منح اي فئة اي نوع من الحقوق لأنه بذلك سيفتح باب جهنم على نفسه. أزمة القضاة مثالا قويا على ما أقول. حالة الطوارئ, غياب الحريات, الفساد, الفقر والكبت وتداعي مؤسسات الدولة الذي أدى بدوره لتصاعد "سرطاني" لدور المؤسسات الدينية..الخ, كل هذا يزيد اعباء الأقباط ويكرس عزلتهم التي –بدورها- تستفز المسلمين أكثر, فيزيد عنفهم اكثر. اذا كان المسلم الفقير يعاني مرة من الإضطهاد الحكومي, فالمسيحي الفقير يعاني مرتين. مرة من نفس الإضطهاد الموجه للمصريين بشكل عام, ومرة أخرى من اضطهاد جاره المسلم الذي لا يجد "متنفسا" لإخراج غضبه إلا في المسيحي. غياب حركة سياسية ذات طابع علماني له دور كبير أيضا في تصاعد حدة مثل هذه الاحداث.
لا اجد ان الحوار المرن "مع الآخر" هو الحل لأنه ليس المشكلة الحقيقية هنا. نحن نرفض الآخر لأننا, أصلا, مرفوضين. النضال العام من اجل "الديمقراطية" هو الحل الأكثر جذرية في هذه الحالة على ما اعتقد.
مطالب مشتركة
عن تثوير الدين
لم اشر ابدا لتجاهل المشكلة الطائفية!! بالعكس, انا مع فتح الملف بدون مواربة. الإصرار على فتح ملف المشكلة الطائفية بجدية هو في حد ذاته نضال من اجل الديمقراطية ليس فقط لأنه من الملفات المسكوت عنها, لكن ايضا لأنه من الملفات "المستخدمة" بحقارة من جانب النظام بهدف تبرير سياساته وقوانينه القمعية التي نعرفها جميعا. لكي يستطيع الأقباط فتح ملفاتهم والدفاع عن حقوقهم النوعية كمواطنين مصريين اولا, اقباط ثانيا, عليهم ان يفهموا العلاقة بين طبيعة هذه المشكلات وبين الإصرار الحكومي والرسمي على طمسها وتمييعها. هذا الفهم وبالتالي الربط بين قضايا هي بالفعل مرتبطة عضويا, هو الأمل الوحيد في تثوير الناس وليس تثوير الدين فقط. لم يظهر لاهوت التحرير في امركا اللاتينية إلا مع صعود حركة جماهيرية ثورية في تلك المنطقة ادت بدورها لظهور هذا النوع من الأفكار التي احترمها كثيرا.
اعتقد ان تحليلك للمشكلة الطائفية في مصر يقتصر على المفهوم الرجعي للدين عند كل من المسلمين والمسيحيين. لكن مفهوم نفس الناس عن الدين, يختلف من ظرف موضوعي لآخر. لا نحتاج لحملات دعائية لتطوير رؤية الناس عن الدين -برغم انها فكرة وجيهة ومهمة- بقدر مانحتاج لإقناع الأقباط الذين ينغلقون كل يوم اكثر ويمارسوا هم الآخرين نوعا من العنصرية ضد المسلمين على مستوى الأفكار, بأن الضمانة الحقيقية لحقوقهم كأقباط مصريين, مرتبطة بأحقيتهم المنطقية في الدفاع عن هذه الخصوصية لهذه الحقوق. وهو ماليس متوافرا بسبب الحالة القمعية التي نعيش فيها. ولن نستطيع الخروج من هذه الدائرة إلا بنضال حقيقي واسع النطاق ومتعدد الأشكال والمستويات من اجل نظام ديمقراطي حقيقي يسمح للجميع أن يكونوا انفسهم بدون خوف.
هناك فرق بين
هناك فرق بين حسن استخدام الالفاظ
وبين الاعتذا ر عن ايمان الشخص بشئ ما
انا في صف البابا اكثر من القرضاوي ومن شايعه رغم عدم حبي للبابا
فرق شاسع بين جون وبندكت
ما بين رجل يميل الي اليسار ورجل في اقصي اليمين
لكن انا قرات النص البابوي ووجدته عاديا ....لم اعرف لماذا تحول الي قنبلة موقوتة؟
لكن الشاهد هو رد فعل المسلمين زي منت اوضحت يا مينا وهو رد فعل سئ هو الاخر وفي منتهي الحمق ايضا وانت كتبت اكثر من نقطة جيدة جدا في تفصيص الموضوع الي نقاط بسيطة يسهل علي امثالي فهمها
القرضاوي عايش في دور امير المؤمنين وهو يقوم الان بدور بابا المسلمين بشكل مستفز
يعني يتصدر كل شئ الان وكانه حامي حمي المسلمين والناطق الرسمي باسمهم وهذا يسبب لي ارتكاريا وحساسية
لايمكن للبابا ان يعتذر عن شئ هو يؤمن به وجزء من عقيدته
كما انه لايمكن للقرضاوي ان يعتذر عن عقيدته هو الاخر
القرضاوي ومن شايعه يطالبون البابا بالمستحيل
مش عارف الازمات اللي من النوعية دي تنتهي ازاي بس؟
سذاجات متبادلة
لا يجب الدفاع عنه
Thoughts...
لقد قراءت ترجمة لجزء من المحاضرة على بي بي سي أمس وقراءت ثانية النصف الأول منها على الرابطة التي وضعتها أنت هنا. منذ بداية الأزمة وأنا أتسأل ما هي الظروف التي كان يلقي فيها البابا هذه المحاضرة هل هي محاضرة تُلقى أمام بضع عشرات الأشخاص من الدارسين لللاهوت المسيحي، أم أنها محاضرة عامة أمام بضع المئات. وسوف يتسأل البعض ما هو الفرق مدام المضمون واحد، بالطبع ليس واح لأنه أذا كان في أطار محدود فمن المحتمل أن تكون المحاضرة أعطيت بنوع من التلقائية الفكرية وهو الذي أستشعرته من سياق الكلام حيث أن البابا بندكتوس يبدء موضوع المحاضرة أنطلاقاً من الحوار الذي قراءه قريباً في كتاب لثيودور خوري. وأجد أنه يصف كلام الأمبراطور البيزانطي بالفظة (startling brusqueness).
ولكن كل هذا لا يلغي وجود نوع من أنواع الأساءة في الأستشهاد بهذا النص بالتحديد بالأخص بعد أعتلأه منصب البابا. ولكن أذا كانت هذه رسالة متعمدة ألا يعطي هذا تسأؤل هام وخطير أو قد يكون بوادر تحول في موقف الفاتيكان من الأسلام ولكن لا أعتقد أنه بمثل هذه الضخامة. قد يكون رد فعل لموقف معلن أو غير معلن، قد يكون رد فعل لصمت المنظمات الأسلامية أمام تهديدات الظواهري للغرب أو يكون رد فعل لوصف الشيخ القرضاوي (حسب ما سمعت من أحد الأصدقاء) للبابا بأنه كافر ولكن على درجة بسيطة من الكفر، أو قد يكون محاولة للتأكيد للعالم الأسلامي على أصرار الغرب على حرية الرأي بكل أشكالها....تبدو لي كل هذه التفسيرات واهية ولكن قد يكون أحدها صحيح.
لدي شك في ما ورد بجريدة أخبر ساعة على لسان البابا شنودة، أولاً لأن هذا ليس أسلوبه بالأخص في مثل تلك المواقف وثانياً لأنه يختلف مع كل ما ورد في كل الجرائد الأخرى وللأسف لم أستطع الحصول على رابطة تسجل وقائع المؤتمر.
http://www.ahram.org.eg/archive/Index.asp?CurFN=FRON12.HTM&DID=8976
http://www.foxnews.com/story/0,2933,214167,00.html
http://english.aljazeera.net/NR/exeres/92D262CF-6F8D-4702-98D2-15D3D35AFF61.htm
The Eyewitnesshttp://theeyewitness.blogsome.com/