حينَ يمكث الإنسان في مؤسسة كتلك التي أعمل بها مدّة ثلاثة أشهر،فإن انطباعاتٍ معيّنة تنشأ لديه. هذه بعض افكارٌ كتبتُها على فتراتٍ متفرقة؛ و هي هنا مجتمعة لأنني أردتها كذلك، ليس إلاّ!
1
الوَطَن - الحقيقة الغائبة
أبيتُ كلَّ ليلةٍ بسرير! أتساءل عن معنى الوطن؛ عن البيت: ذلك المكان الأسطوري الذي حينَ تدخله تخلع كل عباءاتك و أقنعتك و -ربما – ملابسك!
يقلقني أني بلا بيتٌ.
أحياناً استعين بصديق، و أحسب بعض زياراتي عودةً للوطن. على أنه بعد انقضاء السهرة، فإنه لا بد من العودة "إلى مكان ما".
- أنا راجع
- راجع فين؟
“لماذا أنا هي تلك التي لا وطنَ لها؟!” تساءلت ميّ زيادة قديماً...
2
عائشة – هل حقّاً عائشة؟
عائشة طفلة في العاشرة. أختار السّرطان أن يصيبَ نصفها الأسفل، و تحديداً أن يولد من عظامِ حوضها الغضّة.
بالأمس كان عليّ أن اشرح لها و لوالدتها العملية التي كانت مُقبلة عليها في الصّباح.
أي حياة ستحياها عائشة منذ غدٍ؟ و هل ستصير حقّاً عائشة؟
هل تعرف أنّها لن تسيرَ أبداً للمدرسة؟
في ذهني المُقارنة التي ماتزال تشغلني من شهرين: أيُّنا أفضل، نحنُ أم السّرطان؟ كما السّرطان نحن نصنع الإعاقة، و مثله نحن لا نُعطي اختياراتٍ إنسانية...
كما السّرطان، نحن نقتل الحياةَ - على أننا -بينما نقتلها – نظنّ أننا بصدد إنقاذها. ثم نقتلها، فندّعي أنها هربت منّا من غير إرادتنا. ثم يتكرر المشهد، و نقتلها، و نعتاد قتلَها... و يصبح الموتُ واجبنا اليومي، مُتنكراً في صورة طبيبٍ طيّب يٌشفق على المَرضى!
أحتار فعلاً في جدوى ما تعلمته... و أحتار في المُفاضلة بيني و بين السرطان. ثم أشعر به قريباً جدّاً، أقرب من مرضاي. حينَ أتحدث معه قُرب الفجر، أشعر أن صديقاً يكلمني. اشعر به، و أتفهم مأزقه؛ فهو لا يستطيع الهَرَب من طبيعته القاسية. مثلي، لا يستطيع تجنّب قدَره المحتوم، هو – و أنا – قاتلٌ رغمَ أنفه.
3
القادمون من الشمال و الجنوب
جميع النساء في مصر لا يعملن! على الأقل اولئك اللواتي يُصبن بالسرطان لا يعملن. ربما أولئك اللواتي يُصبن بالسرطان و أقابلهن لا يعملن... لا أدري أي عبارة أدق. لكنّ هذا أمرٌ لفت انتباهي كثيراً، فسواء كانت السيدة متزوجة أو أرملة أو حتى لم تتزوج ( و هن بالمناسبة لسن بالعدد القليل اللواتي عبرن سن الأربعين و هن بعد عذارى) فإن كلّهن يشتركن في كونهن "ربات منزل" و "غير متعلمات".
أما الرجال فنصفهم على الأقل يفضّل استخدام بصمة الأصبع عند التوقيع. لكن هذا ليس حُكماً، فهناك من يفضّل البصمة برغم كونه مُتعلّماً ربما لأسباب تتعلّق برواسب اجتماعية أو ثقافية.
أشد القادمينَ فقراً هم أولئك القادمون من الجنوب. نصفهم من محافظة "بني سويف" التي - في رأيي- إما أن معدّل السرطان بها أعلى من باقي المحافظات (أشكّ في هذا) أو أن مستوى المعيشة بها أعلى قليلاً من باقي الصعيد مما يسهل عناء السفر، أو لأنها - ببساطة - أقرب أقاليم الجنوب للعاصمة المرفهة.
من أسوان قابلت واحدةً، و من أسيوط ثلاثاً، أمّا ما أفزعني فهو تلك السيدة القادمة من شمال سيناء و قد صار السرطان متقدماً للغاية في جسدها. تساءلت عن أقرانها، و عن غالبية مواطنيها الذين لم يجيئوا للقاهرة.
4
الوطن الّذي أكله السرطان و نحن غافلون
لا يمكنني الادعاء أن نظام مبارك قد اضرّ بمصالحي في وقت من الأوقات. و باستثناء أمراض المجتمع المزمنة - التي كانت لتوجد في ظل أي نظامٍ آخر - فإنني شخصياً لم أعاني بسبب النظام السياسي أو الاقتصادي القائم.
أمّا المضرورون مباشرةً فهم هنا، على هذه الأسرّة المتسخة في مستشفى عامٍ لا يدرون ماذا سيحدث في أجسادهم غداً. هذا الواقع الصارخ لا يُمكن تجاهله، كما لا يمكن تجاهل حقيقة أن هؤلاء المضرورون هم أقلّ الناس قدرةً على التعبير عن ضررهم، بينما أكثر الناس قدرةً على التعبير عنه هم أقلّهم ضرراً.
هذا التمايز الواضح هو لعبة يلعبها النظام و يراهن عليها. المعنيون مشغولون بمعارك الحياة اليومية، و لا يمكن - بدون تحامل - أن نطالبهم بما هو أكثر. يكفيهم المرض في جسدهم و همّ تعليم الأولاد و إطعامهم، فماذا عن الإصلاح السياسي؟
أما المهمومون بالإصلاح فهم غير مضرورين مباشرةً بسبب النظام الحالي، و ليست لديهم مشكلة واضحة - باستثناء الاختلاف الأيدولوجي - معه. لا يمكن لجماعة أن تتحدث عن مطالب طولَ الوقت ما دامت هذه المطالب لا تمسّ حياتها مباشرة؛ و لا يمكن لجماعة أن تتحدث عن مطالب - في نظرها ثانوية - طالما هي مشغولة بمتطلبات الحياة اليومية.
5
تساؤلات مشروعة
أتساءل دائماً إن كنتُ ساستطيع الصمود في هذا المكان. كم من الوقت يستغرقه انهياري نفسياً أو اتخاذ قرارَ الاستقالة؟ دائماً لا أتصور استمراراً طويلاً ربما لأن لديّ مُشكلة في تصور العلاقات - الالتزامات طويلة المَدى. ربما لأن لديّ شعوراً أن هناك الكثير بعد لأتعلمه و أعرفه بعيداً عن عملي كطبيب. المؤكد أن السؤال دائم الوجود في أعماقي، على أن بروزه للسطح يختلف من حينٍ لآخر
عن عائشة
اسفة.. بس ممكن اسأل عن أخبار عائشة بعد العملية؟؟
doesn't the world have one soul?!
Africano..
i don't think you should be hesitant for sharing the pains you touch around you with us, it alows us to share with the world what we don't directly see due to our different places, professions..
doesn't the world itself has have one soul?!
2 things touched me deeply as well:
1- the conversation with cancer, i did the same once when i conversed with distress, it makes you see things from a different view, especialy things that we consider to be caused by fate!
2- i agree with you for what you discussed in the fourth section, YES; people who really suffer cannot do anything, and people who see things clearly and complain are not (really) suffereing! but this kind of (idrak) to the situations; can help us do something .. isn't it?!
ليك وحشة يا
ليك وحشة يا مينا
مواضيعك من عنابر العيانين هي في الحقيقة ....الحقيقة
بس احنا ناسيين
مش عارف اعلق اقول ايه بس
لو انت مجرد انسان واحد بتخفف عن الناس الامهم يبقي دورك مش بسيط
لو الدكاترة بتحس بالمرضي كدة كان الناس معيتش في الاصل يا مينا
سلام يا صاحبي
اراك قريبا ان شاء الله
:S
سلامتك
أي
ألف
مش عارفة
اوقات كتير كنت بسأل نفسي هو انا لازم يكون عندي نفس الالم المادي عشان احس بالالم يعني لازم يكون عندي مشكلة خاصة بيه انا عشان احس ان في ازمة
وقولت مثلا اني مهما تألمت من شكل جرحك عمري ما هحس احساسك بالالم
مش عارفة
فكرتني
مش فاهم...
ده تاني تدوينة بتثير فيها موضوع الألم وهو موضوع جوهري وصعب جداً وكتير بحس بالعجز أمامه. أتعرضت لبعض المواقف في حياتي، يمكن مكونتش أنا المتضرر، بس شوفت بعض المواقف في أشخاص أعرفهم جيداً، كانت بتخالني مش قادر أفهم حاجة عن الحياة وعن الله وعن رحمته والأيمان كمان. ويمكن لحد دلوقتي كتير مش بعرف أفهم.
لكن في حاجتين بعرفهم بيساعدوني كتير. أولاً أني بؤمن بالله آلي مرفضش يعيش الألم يعيني مسابش الأنسان يتألم وقعد يتفرج عليه، يمكن ميكونش عاش كل أنواع الألم بس مرفضش يعيش الألم بشكل عام، يمكن يكون بيعيش الألم مع كل واحد بيتألم،.
الحاجة التانية، وهي أني لو فضلت أتفرج على الألم بس من بعيد وأنا خايف أتعامل معاه، أو لو هربت منه لأني مش قادر أتحمل أشوف حد بيتألم لهذا الحد، أنا كده مش بكون بعمل غير أني بزود ألم آلي بيتألم، يمكن حتى لو مش قادر أفهمه بس على الأقل مش هاكون سلبي قدامه وهزوده.
مش عارف ده مجرد نظرة للموضوع، نظرة شخصية، بتساعدني أعيش بشكل معين ممكن تكون غلط وممكن تكون بتخليني أعيش كمان بشكل غلط بعض الأحيان. بس حبيت أشاركك بيها.
The Eyewitness
http://theeyewitness.blogsome.com/
ليه ؟