1
فوقَ جبال الألب، تطير بي طائرة مُتناهية الصغر. لها مروحتان كبيرتان، تشبه كثيراً الطائرات التي تراها في أفلام الحرب العالمية الثانية تطير على خلفية ثدركُ جيّداً أنّها كارتونية. كنا عشرة ركّاب و معنا قائد الطائرة و المضيفة.
أستمع إلى صوت الكابتن: نظراً لسوء الأحوال الجوّية، سنتأخر قليلاً في الهبوط! لا داعي للقلق، كل شيء سيكون على ما يُرام.
تهتز الطائرة الصغيرة بعُنف، و أغفو رغماً عنّي من جراء عدم النوم لثلاثة أيام متصلة. أشاهد خيالاتٍ تتعلق بكيفية استخدام قناع الأكسجين و سترة النجاة. "أخ! لماذا دائماً لا أصغي لتعليمات ماقبل الإقلاع؟! دائماً ما أنشغل بقراءة جريدة أو بمضغ لبانة خوفاً على أذني أو بالحديث مع جاري... إذا قدّر لي أن أنجو هذه المرّة، سأستمع جيداً للشرح الذي طالما اعتبرته مملاً!" أستيقظ لأجد المضيفةَ أمامي ، و المنظر من النافذة لم يتغير: جبالٌ و ثلجٌ كثيفٌ و ضباب. على أن عقارب الساعة قد سارت، و بدا أن ساعتين قد مضتا منذ الإنذار الأول.
يا إلهي! ساعتان و أنا معلّقٌ في الجوّ في طائرة غريبة فوق بلادٍ غريبة وسط أناسٍ لا أعرفهم. يجيء إلى أذني صوت الكابتن من جديد، يبدو هذه المرّة أكثر اضطراباً عن الأول، : لا يمكننا الهبوط في زغرب، و قد نفد الوقود. سنقوم بالهبوط في ماريبور في ظرف دقائق. درجة الحرارة درجتان تحت الصفر و الساعة الآن الثانية عصراً. أسأل المُضيفة: "أين تقع ماريبور؟" تجيبني بسرعة: "لا أعرف!"
حقّاً، من أين لتلك الفتاة الإيطالية الريفية أن تعرف ماريبور، و هي على ما يبدو قد أصابها الذعر أكثر من جميعنا!
تستدير الجالسة أمامي و تجيبني: "إنها في سلوفينيا!" قالتها بحماس يحمل شيئاً من العتاب اختلط بلكنة شرقية فهمتُ منها أنها من سلوفينيا.
بدا سؤال " و أين تقع سلوفينيا؟" منطقياً، لكنني سرعان ما تذكرت رواية "فيرونيكا تقرر أن تموت" حين قررت الفتاة الانتحار لأن أحداً من الأمريكيين لم يعرف أين تقع سلوفينيا - وطنها الحبيب على الخريطة.
2
بعد دقائق، تهبط الطائرة. أتوجه قبل نزولي للكابتن.
"- أنت عائدٌ إلى ميلانو؟ هل يمكنك أن تعيدني معك؟
- لا توجد مشكلة! ماذا عن حقيبتك؟
- لقد فقدتها منذ ثلاثة أيّام، و أنا بدونها على أي حال. الآن لا أفكّر سوى في العودة إلى بلدي، مصر
- لا تقلق، سأنتظر هنا حتّى يتحسّن الجو و أملأ وقوداً."
تبدو هذه البلدة خارج التاريخ للوهلة الأولى. المطار عُبارة عن مبنى صغير أمامه طائرتان مروحيتان و طائرتنا. لا بد أن أعبر على الشرطة. حسناً، سأخبرهم باتفاقي مع الكابتن و أعود من حيث أتيت.
تستوقفني شرطية يبدو أنها لا تتحدث الإنجليزية، تتناول جواز سفري في دهشة:
"Egypt? what... Egypt?"
لا أفهم السؤال كما يبدو أنها لا تنتظر إجابة. لقد هرعت إلى زميلها - الذي يبدو أنه يكبرها سنّاً و مقاماً - و يبدو أنها تستفسر منه عن وضع هذا البلد الغريب (الذي يصدر جوازات سفر في حجم ثلاثة من الجوازات المعتادة بالنسبة لها) من جهة إمكانية دخول مواطنيه إلى بلدها: فضلاً عن التأكد من وجوده أصلاً!
يلتفت إليّ شابٌ من الرّكاب، و يحدثني بإنجليزية مكسرة:
"- هل أنت عربي؟
- أنا من مصر
- و نحن من البوسنة. لا تقلق كل شيء سيكون على ما يرام" بدت العائلة البوسنية فقيرة جداً، كانوا هم أملي الوحيد في التواصل؛ فقد تأكدت أنهم الوحيدون الذين يتحدثون قدراً من الإنجليزية في نطاق تواجدي.
أتوجه إلى الشرطة محاولاً الحديث عن رغبتي في العودة من حيث أتيت. لكن الشرطي يشير إليّ في ودٍّ أن أنتظر. يخبرني الرفيق البوسني أنهم يتصلون بالخارجية يسألونهم عن مصر و وضع مواطنيها من جهة دخول سلوفينيا.
لا مفر إذاً! سأركب الأتوبيس مع بقية الركاب في اتجاه زغرب.
كانت هذه رحلة ثقيلة جداً، فأنا لا أعرف كم ستمتد بي، و لا أستطيع الحديث مع أحد من الركاب. و قد اعطت الشرطية جواز سفري للسائق الذي سلّمه لي على مشارف زغرب.
المفاجأة أنني قد وجدت حقيبتي المفقودة في مطار ماريبور المهجور، فأخذتها معي في الأتوبيس. امّا كيفَ وصلت إلى هناك، فهو سرٌّ لا زلتُ أجهله!
3
كيفَ وصلت إلى هذه الرحلة؟
لقد تأجلت رحلتي من ميلانو إلى زغرب ثلاثَ مراتٍ. قضيتُ ليلتين طويلتين بالمطار بلا حقائبَ و لا طعام. في الليلة الأولى، و قد أعلنت الشركة عن تأجيل بعض الرحلات نتيجة لعاصفة ثلجية؛ اصطف المسافرون أمام مكتب الشركة داخل مطار ميلانو يحتجّون. على أن راكَبين فقط كان لهما الصوت الأعلى: سيدة أمريكية شقراء يصاحبها زوجها فارع الطول. و قد بدا الرجل مستهزئاً بالشركة و بموظفيها الجالسَين أمامه. "- لن يستمعوا إلينا يا عزيزتي، إنهم مشغولون بشُرب القهوة الإيطالية!"
هكذا تحدّث بصوت مرتفع قاصداً استفزاز الموظفين. و قد حدث هذا بالفعل، فقد قام الموظف ناحية الشباك و أغلقه ثم اختفى لنصف ساعة!
لكن السيد الأمريكية بدت أكثر عملية لقد انسحبت بضعة دقائق عادت بعدها تحمل كتيّباً صغيرا باللغة الإيطالية و قد طلبت من أحد المسافرين أن يترجم لها ما فيه
"- قل لي علامَ ينص هذا القانون؟
- هذا قانون الطيران المدني الإيطالي يا سيدتي، هذا النص به ما يجب على شركة الطيران القيام به في حالة إلغاء رحلتها
- حسناً هذا هو الوضع بالضبط. من فضلك ترجم هذه الفقرة
- (يجب على الشركة توفير مكان للمسافر على الرحلة التالية، أو مكان للمبيت إذا تعذر السفر خلال 12 ساعة. من حق الراكب وجبة طعام و مكالمتان دوليتان على حساب الشركة و تعويض إذا فُقدت حقائبه)
- حسناً، نريد هذا الآن!" صاح الأمريكي و قد شعر بزهو الانتصار
تبع الزوجين باقي الركاب - و هم في الغالب من دول أوروبا الشرقية أو الاتحاد السوفيتي السابق - في المطالبة بحقوقهم.
مالبثت أن ظهرت مضيفة إيطالية أنيقة صائحة: هنا الركّاب الذين يحملون تأشيرة لدخول إيطاليا، تفضلوا معي.
لم يذهب سوى الأمريكيين، بقينا نحن - الذين لا يملكون تأشيرة - نراقب موكبهما بصحبة المضيفة الأنيقة في اتجاه الخروج من المطار.
- ماذا عن باقي الرّكّاب؟ صاح واحدٌ بإنجليزية شرقية حادة
- آسف يا سيدي ، أجاب الموظف و قد فتح شباكه من جديد، عليكم الانتظار بالمطار حتى موعد الرحلة القادمة
- متى؟
- التاسعة صباحاً
- أريد أن آكل! صحت من آخر الطابور
- سنعطيكم "كوبونات" للأكل، رد الموظف بروتينية، لكن يبدو أنكم ستنتظرون للصباح؛ فقد أغلقت جميع كافيتريات المطار!
كانت الساعة قد تعدّت الواحدة صباحاً. فبحثتُ عن ركنٍ هاديء -و اقلّ برودة - وأخرجتُ جريدتي المصرية من حقيبتي، و كوفيتي و غطاء الرأس. و جلست وحدي أنتظر مرور الليل الثقيل الطويل.
هكذا قضيتُ ليلتي الأولى في مطار ميلانو...
4
تأجلت رحلة الصباح من جديد. و تعيّن أن أنتظر رحلة المساء. لحُسن الحظ كان معي كتابٌ جيّدٌ عن ليوناردو دافينشي، كنت قد دسسته في حقيبتي الصغيرة في آخر وقت قبل مغادرتي المنزل. آه! المنزل، كنتُ أتخيل رُكناً دافئاً و مشروباً ساخناً بصحبة أهلي فأبتسم في تمنِّ! على أي حالٍ، اشتريت قهوةً ساخنةً من أول من وصلن من عاملات الكافيتريا، و فتحت كتابي و جلست منتظراً.
بينما أتهيّأ للمطالبة بغذائي، أسمع اسمي يُنادى به في مذياع المطار. عليّ أن اتوجه لتوّي لمكتب الشرطة. هل عثروا على حقيبتي مثلاً؟ ام ارتكبت مخالفةً؟
ذهبت لمكتب الشرطة و قدّمتُ نفسي إلى القائد.
" لا تقلق يا سيدي، لقد قامت الشرطة بحجز مقغد لك على الطائرة المتجهة إلى زغرب مساء اليوم"
هكذا خاطبني الشرطي بأدب، خفت أن أسأل عن سر الاستدعاء المفجيء لعلّي أفسد المصادفة السعيدة
"- شكراً جزيلاً
- لدينا أيضاً تعليمات بإعطائك تأشيرة دخول مؤقتة إلى إيطاليا. هل تحب أن تزورَ ميلانو؟
- طبعاً، أجبته في حماس و دهشة (و قد خفت من جديد أن أسأله عن سبب هذه الحفاوة)
- حسناً ها هي التأشيرة، لكن تذكّر أن الطائرة تقلع في التاسعة مساءً
- لا تقلق، أظن أن "العليّة" قريبة من هنا
- نصف ساعة بالقطار، أجابني و قد اندهش أني قلتها بالإيطالية، رحلة سعيدة!
5
"العليّة" هكذا أطلق الرهبان البنديكتيون على قاعة الطعام الجديدة في دير "القديسة مريم ذات النعمة" حيث كلّفوا ليوناردو دافنشي - المهاجر إلى ميلانو حديثاً - برسم جدارية ضخمة تمثل تأسيس سر التناول. لكن ليوناردو اشترط أن يختارَ هو المشهد الذي سيرسمه، فلم يرسم الإفخارستيا - كما طلب الرهبان - لكنه رسم العشاء الفصحي الأخير للمسيح مح تلاميذه. استعان ليوناردو بوجوه رهبان الدير في رسم الحواريين، و يُقال أنه قد رسم وجهَه بينهم في موضع "تدّاوس الرسول" الثاني من اليمين.
لم يثر جدلٌ على لوحة بقدر ما ثار حول العشاء الأخير ، منذ انتهاء ليوناردو منهاعام 1498 (بعد أربعة أعوام من تكليفه برسمها) و حتى صدور رواية دان براون الجدلية "شفرة دافينشي". ها أنا الآن أمام الجدار العملاق، دون أي ترتيب مُسبق، و معي كتاب عن اللوحة و راسمها!
6
أعود مسرعاً إلى المطار أملاً في اللحاق برحلة المساء. لكن الرحلة تتأجل من جديد في الواحدة صباحاً.
كنت قد سلّمت تأشيرتي لدى دخولي المطار، و تعيّن أن اقضي ليلتي الثانية كما قضيتُ الأولى. لم أكن قد أكلت منذ يومين، فقد فضّلت أن أدّخر نقودي في ميلانو حتّى أشتري تذكرة القطار و الدخول إلى "العليّة" آملاً أن أتناول العشاء في وجهتي الأخيرة.
جلست في ركني الذي أصبح معتاداً، لكنني كنت أبكي بشدة، و قد بدا لي أنني صرتُ محبوساً للأبد في هذا المطار البارد الكئيب. أخرجت كتابي و كوفيتي كما فعلت سابقاً و عقدتُ العزمَ أن اعود للقاهرة في أقرب طائرة صباحاً.
على أنني لم أقاوم الإغراء عندما أُعلن عن استئناف الرحلات الجوية في الصباح. فركبت الطائرة متناهية الصغر، و إذا بي فوق جبال الألب...
(No subject)
نصف الوفد المصري
جميلة
بعد ما قرأت التدوينة..انتابتني حالة شجن لا اعلم مصدرها..لعلها الغربة..ممكن
المهم ..حمدلله على السلامة
حدالله على السلامة
بقالي فترة عمال أسمع عن طيارات بتتأخر وطيارات بتتأجل وشنط بتضيع، يظهر أن فترة الكريسماس بيكون فيها أرتباك كبير وعالمي في الطيران.
المهم حمدالله على السلامة في الأخر.
The Eyewitness
http://theeyewitness.blogsome.com/
wow
7amdella 3ala el salama
حمدالله على سلامتك يا دوك
اكيد كانت هستاهل بما انك شفت جدارية ليوناردو فى وسط كل اللخبطة دى
لما استغربوا من بلدك فى المطار, جربن تحط ايديك جنبك و ترقص رقصة الفراعنة, صدقنى وقتها كانوا فهموا
:)
I like the way u told the
I like the way u told the story
:) like if i was watching a new 007 movie