نقدُ النّقد : مؤتمر العَلمانيين الثاني - 1

    يتصاعَدُ الجَدَل حول المؤتمر الثاني للعَلمانيين منذُ إقامته و حتّى اللحظة. و باستثناء بعض المقالات، فإن النقاشَ لا يبدُ - بالنسبة لي - موضوعياً؛ كما أن بعضَ التعريفات تبدو مفقودة، أو مخفيةً قصداً أو جهلاً.
لم أحضر اليومَ الأول. لكن جدلاً لم يُثَر حوله مثل لاحقه. تابعتُ اليومَ الثاني و ما لحقه في اهتمامٍ؛ و قد اكتملت في ذهني بعضُ ملاحظاتٍ.


1- الكنيسة صامتة، و القافلة لا تسير

    تعامَلت الكنيسةُ - رسمياً - مع المؤتمر كأنه لم يكُن أصلاً. و بالرغم من أن الأوراقَ كانت متاحةً قبل انعقاد المؤتمر بفترة كافية، إلا أن تعليقاً واحداً لم يصدر عن الكنيسة حولَ مُحتوى هذه الأوراق. منذ أشهر، ظهر البابا شنودة على شاشة التليفزيون قائلاً: "إذا وصلتني شكوى من أحد فإنه من واجبي - دون الحاجة أن ينبهني أحدٌ - أن أُحقّق فيها". كان ساعتها مُدافعاً عن التحقيقي مع الأنبا كيرلس أسقف نجع حمّادي.
    فماذا عن أوراقٍ جادّة أُرسلت إليه قبل المؤتمر؟ و ماذا عن اقتراحاتٍ حقيقية للتطوير (دعنا من الإصلاح!) قدّمها خبراءٌ (كمشروع قانون المُحاكمات)؟ أليس من واجبه مُناقشتها؟ أو على الأقل التعامل معها بشيء من الجدّية؟
    اختارت الكنيسة موقفَ الصمت و التجاهل، و قد يبدو هذا منطقياً بينَ اعداءٍ. فهل اعتبرت الكنيسة منظمي المؤتمر أعداءً ينبغي تجاهلهم؟
    فإن صحّ افتراض العداء، فهل ساهم المُعارضون في صياغة الأمر على هذا الشكل؟ هل كانت نبرة الحوار أحياناً عالية بشكل قد يستفز الكنيسة و يفقد المعارضين مصداقيةً جماهيرية يحتاجون إليها؟


2- من نحن؟ نوايا حَسَنة بدون تعريفات

    من جانبهم، لم يقدّم "العلمانيون" تعريفاً محددّاً لهويتهم. فهم تحالفٌ غير متجانس من الأفكار، تجمعهم رؤيةٌ - تبدو حتى الآن غير مكتملة - للإصلاح. لكن الناظر من بعيد و المتابع لا يستطيع أن يتبين على وجه الدّقة في أي اتجاهٍ يسيرون. فما بين النّداء "بالعودة إلى الآباء"، و هو اتجاهٌ "أصولي" للإصلاح يعتبر الكنيسةَ واقعةً في أخطاء - بالأكثر تعليمية و لاهوتية - من جرّاء تجاهلها للتعليم الابائي المُستقيم؛ و بين النداء "بالتطوير و التحديث"، و هو اتجاهُ "حداثيٌّ" يرى الإصلاحَ تنظيمياً ممَثلاً في تأصيل المؤسسة؛ ثم نداءٌ عامٌ "بالثورة"، و هو اتجاه رافضٌ للمؤسسة التقليدية - الكنيسة بشكلها الحالي يرى الإصلاح في تعديلاتٍ أكثر من تنظيمية على مستوى الجذور. بين هذه التيّارات، لا يبدُ أن شيئاً يجمع سوى كلمة "الإصلاح".
    و بالرغم مما كُتب في مقدمة الأوراق بعنوان "من نحن"، فإن التوضيح في أذهان العامّة لم يزل مُلتبساً. و أظن أن الوصول لأهدافٍ حقيقية يقتضي تنظيمَ الصفوف بعض الشيء.
    إن تباين الرؤى لا شكّ أمرٌ صحيٌّ، لكنه - في رايي - يُفقد المجموعة كثيراً من مصداقيتها على المستوى الشعبي، و هو ما لابد أن تسعى لاكتساب تأييده حالياً. على الأقل يمكن التركيز على جانبٍ واحدٍ من "الإصلاح" و الحديث فيه. على المُعارضة أن تُدرك جيداً ماذا تريد؛ فما كان مقبولاً في المؤتمر الأول من حشدٍ للقُوى داخل معسكر واحدٍ لتجميع الأفكار Brain Storming لا حاجةَ لنا به الآن. بل الحاجة إلى تنظيم تلك الأفكار تبدو اليومَ أكثر إلحاحاً. و لربما أن الحاجة إلى "تصدير" هذه الأفكار الجادة شعبياً هي أيضاً أمرُ مهم.


3- "الميكروفون مع سيادتك"، أو كيف تتحدّث في كلّ شيء إن واتتك الفرصة

    استكمالاً لما سبق، و في ضوء غياب التعريف و الأهداف؛ سقطَ البعضُ في أخطاءٍ لم يكُن المؤتمر في حاجةٍ إليها. و ما أُثيرَ حولَ مفهوم الوحي في المسيحية بدا بعيداً عن غاية الإصلاح كبُعد اللغة الصينية عن الشعر الجاهلي!
    لم يكُن هناك داعياً أبداً أن يتحدّث عارض ورقة مشروع قانون المحاكمات الكنسية عن وجهة نظره في موضوع الوحي أو وضع المرأة في المسيحية؛ و لم يكُن هناك داعياً أن يوضح كمال زاخر مرتين خلال المؤتمر - و هو أكثر وعياً بمجريات الأمور - أن ما قيل لا يعبّر عن وجهة نظر المؤتمر. كان باستطاعة أصغر الحاضرين و أقلّهم ذكاءً أن يتوقع مانشيتات الصحف في اليوم التالي و أن يتوقع هجوما أكثر عُنفاً - و قد صار مُبررَاً شعبياً و موثّقاً - من قياداتٍ في عداء حقيقي مع جبهة العَلمانيين.
    كان يمكن توفير الجَدل، و مقالاتٍ كُتبت في الدفاع لو أن المتحدّثين تأملوا قليلاً فيما يريدون حقّاً من مؤتمرٍ كهذا.
    و لا أعرف لماذا ترك كمال زاخر القيادة! و أظن أنه الأقدر على التحدث و صياغة الأفكار، كما أنه يحوز قبولاً شعبياً من جرّاء كونه أقل المُعارضين "تصادمية" و أكثرهم مصداقية. و هو الأقدر على الوصول إلى القصد المنشود، بل أنه الأقدر - و معه هاني لبيب - على فتح حوار حقيقي جاد مع قادة الكنيسة. و أظن أن قنوات الاتصال لم تزَل مفتوحةً بعد.

(يُتبَع)



تعليق على نقد النقد مؤتمر العلمانيين

عزيزى كاتب الموضوع

اعتذر عن تأخرى فى التعليق ، ربما لأنى غير خبير فى أمور النت ، فأنا من جيل يحاول اللحاق بمستجدات العصر ، مجرد محاولة ، لكنها تواجه بما يواجه به " التعليم فى الكبر "

لكن هذا لا يمنع تقديرى لتحليلك وموضوعيته وصدقه

وأنا معك فى كل ما وجهته من ملاحظات على لمؤتمر ، ربما كان عذرنا أنها المرة الأولى ـ فى ظنى ـ التى يتحرك فيها الأقباط خارج المؤسسة الرسمية ( الكنيسة ) لعقد لقاء يبحث فى اشكالياتهم الداخلية ، فشابها ما يشوب التجربة الأولى ونحن نسعى لنراكم الخبرات ونتعلم من السلبيات والأخطاء

ولعله من المفيد فى هذا الإتجاه أن نتواصل معاً سعياً لتكامل الجهود وصولاً الى كنيسة مجيدة قادرة على اداء رسالتها فى عالم يتطلع اليها أن تعبر اليه وتعينه

فهل اطمع فى هذا التواصل والتعارف

عنوانى هو :

kamal_zakher@hotmail.com

,jrfg jr]dvn ,a;vn

;lhg .hov