نقدُ النّقد: مؤتمر العَلمانيين الثاني -2

 
4- أوراقٌ جادة، و أحاديث المُسامَرة
 
    هناك فرقٌ واضح بين أحاديث الأصدقاء و أحاديث الندوات. يُدرك منظمو المؤتمر هذا الأمرَ جيّداً؛ و إلاّ ما الداعي لتباعد المؤتمر الثاني عن الأول بنحو خمسة اشهر؟ على هذا كان مُتوقَّعاً أن تعدَّ الأوراقُ إعداداً جيّداً، على مستوى المُحتوى - و هو ما كان حقيقياً في أغلب الأوراق - ، و أيضاً على مستوى التقديم.
    كانت الموضوعات حقّاً مهمّة و الأوراق جادة. على أن عيبَين برزا في بعض ما قُدِّم: أولهما هو غياب المرجعية، سواء في الورقة المكتوبة أو أثناء تقديمها. لا يمكن أن يؤخذ على محمل الجدّ  - مثلاً - مُتحدثٌ يقول بكل ثقة أن الدسقولية كتابٌ لا قيمة له. و مع أن نسبة الدسقولية للرسل الأثني عَشر مُنكرة تماماً بالمنطق و بالبحث معاً؛ لكن الكتابَ موّثقٌ و مؤصلٌ و مدروس! (راجع د. وليم سليمان قلادة و بحثه و ترجمته للدسقولية)
    كلامٌ مرسل بلا توثيق، و هو أيضاً كلام مثير؛ و هو أيضاً كلامٌ لا داعي له كما ذكرت سابقاً. عباراتٌ من الكتاب المقدس تُذكر بالتقريب و بلا مرجع، تأكيدات مبهمة على معلومات "مؤكدة" لدى المتحدث دون تأصيل. ليس هذا جوّاً أكاديمياً مثالياً!
    العيب الثاني كان في كتابة الأوراق. (لربما يبدو أمراً بسيطاً لكنه من الأهمية بمكان في سياق أوراقٍ بحثية جادة)؛ أخطاء الكتابة و الإملاء كانت بلا شك تحتاج مراجعةً. و باستثناء ورقة الدكتور عماد جاد، فإن الأوراق جميعها اشتملت على أخطاء لغوية و إملائية و خلت من ذكر أية مراجع.
 
5-  المنهجية، الفريضة الغائبة
 
    إن كان ثمة فريضة غائبة عن مجتمع المثقفين في مصر فهي المنهجية! و في هذا استكمال للنقطة السابقة؛ فإن كان الشكل الذي قدّمت به الأوراق قد شابته بعض العيوب، فإن العيب الأكبر هو في غياب المنهجية. لم يبدُ ان هناك موضوعاً يجمع المؤتمر باستثناء "الإصلاح". لم تكن الأوراق متناسقة بعضها مع بعض من حيث الموضوعات أو المنهج او أسلوب الطرح. ثمة حاجة ماسة للتميز بين أصحاب النوايا الحسنة و أصحاب الرؤى و الأكاديميين؛ يتبع هذا تميزٌ واضح بين الأوراق البحثية و المقالات و مشروعات القوانين و الخطوط العامة و الخواطر. و لإن كانت الكنيسة الرسمية قد سقطت في غياب المنهجية، فإن السعي نحو الإصلاح ليبدأ فعلياً في إطارٍ محدد و مدروس و منظم.
    على أي حال فإن السعي قد بدأ، و الطريق طويلةٌ؛ و بوسع العَلمانيون تقديمَ الكثير... فهل من جديد في المؤتمر الثالث؟