"لأَنَّ
ظُلْمَ لُبْنَانَ يُغَطِّيكَ واغْتِصَابَ الْبَهَائِمِ الَّذِي رَوَّعَهَا
لأَجْلِ دِمَاءِ النَّاسِ
وَظُلْمِ الأَرْضِ وَالْمَدِينَةِ وَجَمِيعِ السَّاكِنِينَ فِيهَا."
[من العهد القديم؛ ما قرأه ياسر عَرفات على جنوده لدى رحيلهم عن بيروت، 1982]
لَم يجذبني كتابٌ من زَمن مثلما فعَل هذا الكتاب!
لقد قضيتُ معه إجازتي كاملةًً دون ملل. و على الرغم من عدد صفحاته الذي تجاوز الثمنمائة، فإنني لم أستطع تركه دون أن أكمله. هذا كتابٌ لا غنى عنه لمن يريد أن يدرك فعلاً قصة صراعات الشرق الأوسط الرهيبة.
إنه يأخذك في جولة تأريخيّة شبه يوميّة لمأساة لبنان و حروبه الأهليّة. لكنه - بذكاءٍ شديد - يبدأ رواية المأساة من "أوشفيتز" حيث غرف الغاز و الهولوكست. و من بولندا ينطلق سريعاً إلى فلسطين في نهاية الثلاثينات و حتى نكبة 1948.
رواية أحداث التهجير أكثر من ممتعة، فهو ينطلق من عند المهجّرين بالمخيمات في لبنان عائداً مع ذاكرتهم إلى بيوتهم بفلسطين. ثمّ يعود هو بنفسه إلى هناك ملتقياً من يسكنون نفس الأماكن بعد خمسين عاماً من التهجير.
بعد هذه الفصول التاريخية الممتزجة بالتحقيقات الصحفية، يبدأ روبرت فيسك مباشرةً في سرد تاريخي سريع عن لبنان ثم - في شيء من المُباغتة - يخوض في تفصيلات الحرب الأهليّة دون سابق إنذار.
و هو شاهد عيانٍ لمعظم الأحداث، لذلك فإن الكتاب لا يحدّثنا عن عناوين الصحف و لا عن نشرات الأخبار بل عن الأحداث بعين شاهدها. و في هذا بالأخص مصداقية دون إدّعاء. فالأسماء اللامعة لا يأتي ذكرها إلا بقدر ما قابلها المؤلف أو فيما عدا ذلك قليلاً؛ أما الحكايات فهي عن المعارك و المخيمات و الجنود و كلّها وصف الشاهد.
و لا يحمّل روبرت فيسك الكتاب بتحليلات و تنظيرات حكَميّة. لكنه يسرد بحيادٍ متواصل ما رآه. مع ذلك، يمكن أن يلمح القاريء مواضعَ مليئة بالعاطفة بين السطور دون تكلّف و لا إدعاء؛ كما أن السخريّة لا تفارق أسلوبه أبداً حتى في أشد اللحظات قسوة و عنفاً.
على ذكر العنف، أظن أن أشد الفصول ملحميّةً هو ذاك الذي يتحدث عن مجزرة "صبرا و شاتيلا". إن الوصف جعلني أرى المأساة بعيني، حتى أحساس القيء و الغثيان و رائحة الجثث تنتقل للقاريء من فرط الصدق و قوة التعبير. في هذا - و ربما هذا هو المأخذ الوحيد على الكتاب - يرهق فيسك القاريء نفسيّاً من دقة التفاصيل... لكن يبدو أن الحقيقة أبشع بكثير مما وصف، حتى أنه هو نفسه يقرّ بأنه "لا بمكن ابداً وصف ما حدث هناك!"
لكنّه لا يدين إسرائيل بسذاجة أو خطاب عاطفي. هو - كدأبه طول الكتاب - يضع التفاصيل جنباً لجنب و ببساطة يستنتج على أساسها ما قضى كثيرون وقتاً طويلاً في قوله صياحاً. من هذا المنطلق يمكن فهم احتجاجات إسرائيل الرسمية المستمرة على مقالاته و ما تلاها، و هذه الحَملة المستمرة ضد فيسك خاصةً في الولايات المتحدة.
لم أفهم أبداً صراع الشرق الأوسط مثلما رواه فيسك، و أظن أنه لا يمكن لأحد فهم هذا التاريخ الثقيل من الحروب و المجازر دون قراءته.
هذا كتابٌ أدعو كلّ من يهتم بالحقيقة - أو بالصحافة - أن يقرأه!
من أين يمكنني
من أين يمكنني الحصول على نسخة من كتاب فيسك يا مينا؟ يبدو الكتاب قديما، هل لا زال متوفرا في المكتبات؟
يمكنك ايضا أن تشاهد وثائقي الجزيرة عن حرب لبنان ...
ديوان
الكتاب فعلاً قديم ، أنا اشتريته من ديوان قبل عيد الفطر مباشرةً. متهيألي مازال موجود هناك.
انتهيت من
انتهيت من قراءة الكتاب ( باعوا لي طبعة جديدة بمائة وعشرين جنيها يا مينا وليس بخمسين!) ، وحان وقت البحث عن كتاب الصليبي، من أين اشتريته؟
يمكن ترجمة عنوان كتاب فيسك ب ( يا حسرة على الأمة)
مررت بذات
مررت بذات الخبرة عندما قرأت الكتاب في نسخته الإنجليزية منذ سنوات، و من بعدها و من بعد قراءة تواريخ أخرى-بيت بمنازل كثيرة لكمال الصليبي مثلا--و أنا مضروب بالتاريخ الحديث و المعاصر للبنان، فيبدو لي و كأنه عقدة التاريخ. إذا تعلم اللبنانيون كيف يعيشون في دولة واحدة (و هم ليسوا في دولة واحدة. لبنان جبل، اي اسم جغرافي، و ليس بلدا) يصير أمامنا نموذج يحل مشاكل كثيرة.
الغريب أن أهل لبنان يقولون ذات الشيء عن مصر.
الحل غالبا لن يكون في أن يتعلم اللبنانيون العيش في دولة واحدة قوية--الدولة الواحدة ليست إلا أسطورة رومانسية لا تنتمى إلا لمكان و زمان و أفكار عاش فيها بسمارك مثلا--بل أن يتجاوز اللبنانيون العصر الحديث بكامل أساطيره و مؤسساته، و قد حان الوقت لذلك.
ماذا ترى في الترجمة العربية لعنوان الكتاب Pitty the Nation؟ كنت أذكر مشهد صابرا و شاتيلا منذ أيام مضت لحمكشة. تعال خذ نسخة من فلم لفسك و هو يتذكر هذه اللحظة في عين المكان.
ترجمة العنوان
بالضبط ما كنتُ أقوله لسقراط بالأمس عن العنوان. أظن الترجمة لا تنقل المعنى المقصود من العنوان الأنجليزي "Pity the Nation" و التي قصد بها فسك الإشارة لنص جبران خليل جبران - المكتوب أصلاً بالإنجليزية في كتاب "حديقة النبي" - الذي يبدأه هكذا "الويل لأمة كثرت فيها طوائفها و قلّ فيها الدين..."
لا أظن كذلك أن كلمة "الويل" تؤدي الغرض المطلوب. أفهم المعنى المقصود كأنه خليطٌ بين الشفقة و اللوم. لذا فإن ترجمة العنوان ب"ويلات" تعطي معنى الإشفاق فقط، بينما "الويل لـ" تعطي معنى اللوم - و هذه مشكلة في ترجمة نص جبران أصلاً - ، و جبران لم يقصد لا هذا و لا ذاك.
لكن اختيار العنوان - الأصلي - موفق جداً في رأيي.
الظاهر يا عمرو أنني ساصاب بضربة التاريخ اللبناني. فأنا الآن بالفعل أقرأ كتاب كمال الصليبي!
مشهد صبرا و شاتيلا كما وصفه فسك جعلني أتقيّأ بعد قرائته، و مازالت رؤية الكتاب على مكتبي تصيبني بالغثيان و أشعر بالدوّار عند تقليبي للصفحات.
حمد الله ع السلامة :)
interesting