عزازيل

    "عزازيل" هو اسم رواية يوسف زيدان الثانية و التي صَدرت مؤخراً عن دار الشروق. جذبني الاسم في البداية لقراءتها. "عزازيل" هو أحد أسماء الشيطان في التقليد اليهودي - المسيحي، لهذا تصورت أن الرواية تتحدث عن الشيطان أو عن عالم ما وراء الطبيعة. لكن الرواية بَدت أكثر متعةً و تشويقاً و - أيضاً - عُمقاً!

    ينسج المؤلف خيوطه المحكمة من أول صفحة. و يقدّم صفحات الرواية كترجمة لرقائق وُجدت مكتوبة منذ القرن الرابع. و يختلق قصةً عن المترجم كي يؤصل للجو التاريخي للرواية. ثم ينتقل الحديث للراهب "هيبا" المصري الذي يكتب الرواية على لسانه (و إمعاناً في اتقان الحبكة، فإن الهوامش تحوي تعليقات للناسخ العربي و للمترجم أحياناً). هكذا يدخل القاريء في جوِ تاريخي محكم شبه - حقيقي، خاصةً مع ظهور الشخصيات الأخرى للرواية و التي هي شخصيات تاريخية حقيقيّة. فباستثاء "هيبا" و محيطه، فإن جميع شخصيات الرواية الأساسية حقيقية: "نسطور" أسقف القسطنطينية، "كيرلس" أسقف الأسكندرية، "هيباتيا" العالمة و الفيلسوفة... من روعة الرواية أن جعلت من هؤلاء الشخصيات - الذين هم صفحات تاريخية صامتة - أبطالاً من لحمٍ و دم، يتحاورون و يتناقشون ، يحبّون و يكرهون و يتفاعل معهم القاريء!

    يزداد الجوُ واقعية بالأوصاف الجغرافي العبقرية للأماكن. فالمكان في رواية "عزازيل" يلعب دوراً أساسياً و فاعلاً في الأحداث. فمن خلال رحلة "هيبا" - التي تدور حولها الأحداث - و ذكرياته عن رحلات سابقة، تتبين الشخصيات و المواقف قليلاً قليلاً. و قد أثبت المؤلف موهبة حقيقيّة في وصف الأماكن للقاريء، كذلك فإن امتزاج الأحداث الواقعي بأحداث الرواية جعل الأماكن أحياناً تعبر الزمان لتتجسد أمام القارئ الذي يعرف تفاصيل هذه الأماكن جيداً (الاسكندرية كمثال).

    تشعر أثناء القراءة أن المؤلف يكتب "على مهل"، فالتفاصيل لها قُدسيتها لديه. ربما يتوقف عند فستان "مرتا" مثلاً لصفحتين، لكنك مع ذلك لا تشعر تكلفاً و لا مللاً. فالمؤلف متمكن للغاية من اللغة (و محيط أيضاً باليونانية و القبطية و السريانية باتقان) بقدر ينقل إليك الصورة بحيويتها و صفائها كأنك تراها. كذلك فإن إتقانه للغات المختلفة جعل القاريء الذي لا يألف التعبيرات الكنسية أو التاريخية لا يفقد متابعته للرواية. فهو يقدم الألفاظ الغريبة في سياق واضح أو ملحقة بشرح غير خارج عن هذا السياق.

    ليست الحوادث هي أهم ما في الرواية، بل تفاعل الشخصيات معها. فالحوار اللاهوتي القائم بين "كيرلس" و "نسطور" مثلاً ليس مهماً إلا بقدر ما يلقي الضوء على حيرة "هيبا" و شكوكه و تساؤلاته الداخلية عن الله و الكون من حوله. ربما لهذا هي ليست رواية تاريخية بقدر ما هي داخلة في عمق الأسئلة الإنسانية عن الإيمان و الحياة و الحب. و انطلاقاً من التاريخ، يأخذك الكاتب في رحلة شديدة الغنى و العمق بين الفلسفة و الإيمان، الغريزة و التحرر من الجسد، الغيرة و الحب، الرحيل و البقاء...

    ربما لهذا تغافل المؤلف بعض التدقيق في التفاصيل اللاهوتية و التاريخية أحياناً.لا يمكن أن يكون هذا التغافل على سبيل الخطأ، فالمؤلف ملمّ بشكل ممتاز بالسياق التاريخي و اللاهوتي للرواية؛ ربما لهذا يبدو أن بعض التفاصيل قد أسقطت أو عُدّلت كي تناسب السياق الدرامي. و هذا أمرُ مقبول على اعتبار أن الرواية ليست لاهوتية و لا تاريخية، بل أكثر عُمقاً و شمولاً. لكن الرواية - و إن كانت في المطلق عن بحث الإنسان و تساؤلاته الوجودية - فإنها اتخذت من التاريخ و من اللاهوت جسداً. أظن - و هذا رأيي - أن الدقة لم تكن لتتعارض مع السرد البديع.

    إن شرح "نسطور" مثلاً لوجهة نظره عن طبيعة المسيح بدا أقرب للاهوت الإسلامي عن لاهوت "نسطور". و الواقع أن "نسطور" لم يكن تنزيهياً بالقدر الذي صُوّر به بعد ذلك - في اللاهوت الرسمي و اللاهوت النسطوري و بالتالي في الرواية - بقدر ما كان عقلانياً. فإن تصوره عن اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص يسوع المسيح كان يصطدم بمشكلة الزمن - و تحديداً بسني حياة يسوع المبكرة و بموته - من هنا فإنه قدّم فكرة "المصاحبة" التي تقول بحلول اللاهوت في جسد "الإنسان" يسوع منذ لحظة العماد و حتى الموت. لم يكن "نسطور" ينطلق من مبدأ تنزيه الله عن الاتحاد بالإنسان كما بدا بالرواية (و هو التبرير الذي يقبله القاريء المسلم بسهولة و يتعاطف معه)، بقدر ما كان يحاول إيجاد مدخلاً عقلانياً لهذا الاتحاد الذي اتفق مع "كيرلس" بوجوبه و وجوده.

    كما أن لاهوت "كيرلس" لم يكُن أمراً مستحدثاً كما صوّر الكاتب. بل أن تعبيرات "كيرلس" عن "طبيعة واحدة للكلمة المتجسد" مازالت تعتبر - إجماعاً و على اختلاف الطوائف - من أساسيات اللاهوت المسيحي. أما رسائله "ضد نسطور" فهي من أدق ما يمكن قراءته في شرح اللاهوت المسيحي. إن "كيرلس" يبدو في الرواية كمهووس بالزعامة و متاجر بالدين. و الواقع أنه بالطبع ملومُ في حادثة مقتل "هيباتيا"، لكنه لا يمكن الحكم عليه من منطلق حادثة واحدة و قياس تصرفاته كلها عليها. في الرواية هو يمثل السلطة الدينية الرسمية - عامةً - و إجاباتها الجاهزة؛ لكنه في المقابل قد ظُلم - كشخصٍ تاريخي - في تقديمه بهذا الشكل.

    على هذا المثال قُدمت كنيسة الاسكندرية بشكل أقرب للهوس الديني و الفاشية. يهدف المؤلف لتصوير التدين الرسمي و الشعبي و هذا مفهوم، لكن كنيسة الاسكندرية لم تعرف أبداً في تاريخها "جماعة محبي الآلام" التي تم الإشارة إليها أكثر من مرة في الرواية! كما أن مقتل "جورج الكبادوكي" لم يكن عملاً دينياً بقدر ما كان ثورة شعبية ضد رئاسة دينية مفروضة بقوة السياسة و في ظروف نفي للرئاسة الدينية الشرعية. كذا نظرية موت "آريوس" مسموماً و إن كانت تعطي مصداقية للرواية فإن حولها علامات استفهام بما لا يجوز معه تقديمها مرتين كأحد المسلّمات!

    و بعض المسلّمات المذكورة بالرواية غير حقيقية أصلاً. "طاطيان" لم يكن وثنياً بل ظل مسيحياً حتى موت "يوستين الشهيد" ثم تحول للغنوسية. "قسطنطين" لم يعقد مجمعاً لحرق الأناجيل غير القانونية و لم يمنع تداولها.، و لم يشكّل لجنة للتفتيش عنها في البيوت و الكنائس! "يوحنا الأنطاكي" تخلى بالفعل عن "نسطور" و وقع وثيقةً للاتحاد مع "كيرلس". الأقنوم ليس هو الطبيعة، و "كيرلس" كان يكتب باليونانية و ليس بالقبطية ...

    على أن هذه التفاصيل لم تفقد الرواية متعتها و عمقها؛ هي في مجملها رائعة. لغة متقنة، تصوير عبقري، جو تاريخي محكم، و أسئلة شائكة ترحل بالقاريء - مع "هيبا" الراهب - بين الاسكندرية و أنطاكية؛ و الأهم أنها ترحل به داخل ذاته!

قريت جزء منها

قريت جزء منها لسه في البداية بس اكتشتف ان كل معلومة فيها محتاجة اعادة تأكيد مرتين تلاتة

اللي خلاني اعلق اني سمعت حديث امبارح لمؤلف الرواية افسد علي قراءة ما تبقى منها يعني

الراجل قال بالحرف الواحد انه يكتب "رواية عن العنف الديني غير المقبول .. وعن نتاج اتحاد المسيحية بالفكر الاسلامي او تأثير الفكر الاسلامي فكان النتاج تركيبة خاصة جدا اسمها المسيحية المصرية ..

وبعدين انفعل شوية على ضيفه وهو كان ابونا عبد المسيح بسيط وقال "انا مش هدخل في لاهوتيات .. لكن انا اتحدى ان تكون هناك معلومة غير دقيقة في الرواية كلها .. اتحدى "

 

African Doctor's picture

غريبة

غريبة إللي بتحكيه يا بلو

أول ما قريت الرواية و اتناقشت فيها مع صديقي إللي نصحني بقرايتها، كنا خايفين أن أي حد مهووس ممكن يقراها على أنها مُعادية للكنيسة و تقع الرواية في دائرة الضوء كعمل أدبي يهاجم المسيحية و ترفضه الكنيسة.

الظاهر السيناريو ده هايحصل!

مع أن في الرواية قيمة أكبر من كدة بكتير...

تأثير الفكر الإسلامي في المسيحية؟

ربما قصده العكس!

مش فاهم يعني

مش فاهم يعني ايه متأثرة بالفكر الاسلامي ، الأحداث بتحصل قبل الاسلام ، يمكن هو يقصد بلا وعي الفكر "المصري" ، حتة بقى المعلومات الدقيقة و غير الدقيقة المفروض يستوعبها بصدر أرحب شوية ، احنا بنختلف على أحداث قريبه فات عليها 30 او 40 سنة ، يعني المفروض انها موثقة و مسجله ، فما بالك باحداث فات عليها 1000 سنة؟

ممتعه جدا

ممتعه جدا بالنسبة لي ، المعلومات اللي قلتها و مختلفه عن الرواية ماخدتش بالي منها ، و لو ان كلام نسطور فعلا حسيت انه قريب جدا من الفكرة الاسلاميه عن المسيح ، قلت يمكن الكاتب عشان مسلم بيقول كده

بالنسبة للمعلومات المختلفه ، ممكن يكون ليها اكتر من مصدر؟ و بالتالي الاختلاف يكون مفهوم؟ اظن ان يوسف زيدان مش هايتعمد الكدب في الرواية ، و انه بينقل من مصدر تاني غير مصدرك ، ده اذا كان فيه فعلا مصادر متعدده

الجميل فعلا اني ماكنتش متصور انه هايطلع رواية حلوه كده ، فكرتني بكتابات امين كعلوف 

African Doctor's picture

الاختلافات

المعلومات المختلفة نوعان:

معلومات لاهوتية، و طبعاً تختلف بتنوع المصادر بالإضافة لتنوع التأويل. و هناك العامل الشخصي في فهم اللاهوت انطلاقاً من الدراسة أو الخبرات السابقة. المصادر اللاهوتية المصرية (كنيسة الأسكندرية) متمسكة بتقديس كيرلس و حرم نسطور بشكل واضح. أما كنيسة أنطاكية ففي كتاباتها بعض التعاطف مع نسطور مع التمسك بحرمه و يشبهها اللاهوت الغربي الكاثوليكي. لكن هناك مؤخراً أصوات أكثر حياداً تحاول فهم لاهوت نسطور بشكل أكثر عمقاً. العامل الشخصي ربما يفسر ميل الكاتب لتأويل لاهوت نسطور إلى فهم إسلامي للعقيدة المسيحية.

 

المعلومات التاريخية: لا أظن أن الاختلافات ذات أهمية، و ليست هناك شبهة الكذب. لكن هناك وضع معلومات تاريخية (مؤكدة و غير مؤكدة) في سياق جو روائي معيّن. و هذا لا يعيب المؤلف. مرسوم الاتحاد بين يوحنا الأنطاكي و كيرلس تم بعد انتهاء أحداث الرواية و نفي نسطور، و على هذا فإن الصورة التي قدمت لتعاطف يوحنا الأنطاكي مع نسطور حقيقية حتى ما بعد مجمع أفسس (حتى أن نسطور رفض المثول أمام المجمع في غياب يوحنا الأنطاكي). موت أريوس مسموماً أحد النظريات لموت أريوس و ليست هي السبب القاطع لموته... و هكذا باقي الاختلافات الطفيفة.

 

الرواية فعلاً متميزة، و أشد تميزاً إذا وُضع الجانب التاريخي و اللاهوتي في السياق الذي اظن أن المؤلف يعنيه دون التركيز الزائد.

أمين معلوف؟ قرأت له رواية واحدة "كأنها نائمة" و أعجبتني.  فعلاً الأسلوب و الجو العام مشابه شوية. نفسي أقراله أكتر.

ماقريتش كأنها

ماقريتش كأنها نائمة ، بس فيه حاجات اجمل بكتير

عزازيل كمان فكرتني بالمصيبه اومبرتو ايكو ، و بروايته اسم الورده ، نفس الجو تقريبا ، بالاضافه الى تحابيش الجريمة و اللذي منه

تبدو لى من

تبدو لى من نوعية الروايات التى أفضلها. سأقوم بشراءها وقرائتها وربما نرجع لنتناقش بعد ذلك
African Doctor's picture

في انتظارك

منتظر عودتك بعد قراءتها

عزازيل

طول عمرك علامة يا دكتور أفريكانو

احنا نسميك أحسن العلامة أفريكانو :)

أرفع القبعة لكل هذه الثقافة الرفيعة التي تمتلكها.

African Doctor's picture

بصرة

أخجلتم تواضعنا...

غريبة أن النهاردة كنت في مدونتك و كان لي نفس التعليق على آخر تدوينة (أكثر 20 فيلماً إثارة للجدل). أعجبت جداً بثقافتك الرفيعة.

على فكرة تدوينتك القديمة عن Hannibal Holocaust خلتني أدور على الفيلم بس لغاية دلوقتي مش قادر أشوفه.

بصرة :) 

عن عزازيل

إيه ده! أنا مبسوطة إنك كتبت عنها.. أنا كنت قلت إن مفيش غير اتنين تلاتة في الدنيا هيقروا الرواية دي.. أدينا طلعنا أكتر :)

أنا مش هاقرا التدوينة دي دلوقتي علشان أنا لسه في نصف الرواية بس أنا قلت آقول إني مبسوطة إنك كتبت عنها يعني :)

 

African Doctor's picture

حدوتة

مستنيكي ترجعي لما تخلصي الرواية :)