المُتنبّي في وصف المَلاريا

الناموسة التي تنقل الملاريا

لا شكّ أن الأطباء في العالم مدينون لمرضاهم من الأدباء!

فكَم أمراضٍ خلّدها إصابة أحد الشعراء أو الكُتّاب بها، و نقل عنهم الأطباء بعد ذلك ما أسموه أعراضاً و علامات.

يصفُ أبو الطَّيبُ المتنبي إصابَته بالملاريا أثناء إقامته بمصر. و الوَصفُ دقيقٌ حقّاً! فزائرته (الحمّى) لا تأتي إلا مساءً، و هي تنتظمُ في المجيء كأنها على ميعاد؛ و هي تجيئه كلَّ أربعة أيامٍ. و تسكُن في عظامه فتؤلمها، و تسبب له ضيقاً بالنَفَس و وجعاً عاماً في جسده. ثم يحلل تشخيصَ الطبيب لحالته و هو غير راضٍ عنه. فالمرض لم يأته من أكلٍ أو شربٍ كما أخبره طبيبه، لكن علته في طول الرقاد. ثمّ يتأمل قليلاً فيما بين النوم و السهر، و أخيراً يتذكّر الموتَ و يقدّم النصيحة!

 

أقمتُ بأرض مصرَ فلا ورائـــــي   تخُـــبُّ بيَ الرِكابُ و لا أمــــامي

و ملَّني الفــِراشُ و كــانَ جـــــنبي   يمَلُّ لقــــاءَه في كلِّ عــــــــــــــامِ

قليلٌ عـــــائدي سَـــقِمٌ فــــــــؤادي    كثيرٌ حاسدي صَعبٌ مراســـــــي

عَليــلُ الجســـمِ مُمــــتَنعُ القـــــيامِ     شـــــديدُ السُـــكرِ من غير المُـدامِ

و زائــــرتي كــأن بهــا حَيـــــــاءً    فليسَ تـــــزورُ إلا في الظَّـــــلامِ

بَذلتُ لهـا المطارفَ و الحشـــــايا    فعــافَـــتها و باتَت في عِظــــامي

يضيقُ الجِلدُ عَن نَفَسي و عنـــــها    فتوســـــعهُ بأنــــواعِ السِّــــــــقامِ

كأن الصبحَ يطــردُها فتجـــــــري    مَدامعُــــها بأربـعـــةٍ سِـــــــــجامِ

أُراقبُ وقتـَـــها مِن غَيـر شـــــوقٍ    مُراقبةَ المَشــــــوقِ المُســــــتهامِ

و يصدُقُ وعدُها و الصـــــدقُ شَرٌّ   إذا ألقــــاكَ في الكُــــرَبِ العـِظامِ

أبنتَ الدَّهـــرِ عـــندي كُـــــلُّ بنتٍ    فَكَيفَ وصَلتِ أنتِ في الزحـــــامِ

جَرحتِ مُجَــــــرَّحاً لم يبقَ فيـــــهِ    مكانٌ للســــيوفِ و لا السِّــــــهامِ

ألا يا ليتَ شِــــعرَ يدي أتُمســـــي    تصَــــرَّفُ في عِــــــنانٍ أو زِمامِ

و هل أرمي هَوايَ بِراقصـــــــاتٍ    مُحَلاَّةِ المَــــــقاودِ بالِّلــــــــــــغامِ

فرُبتَّما شَـــــفَيتُ غَليلَ صـــــدري    بِسَــــــيرٍ أو قــنـــــاةٍ أو حُســــامِ

و ضــــاقَت خُطَّةٌ فَخَلــصتُ منها     خَلاصَ الخمرِ من نَســـــجِ الفِدامِ

و فـــــارقـــتُ الحـــبيبَ بلا وَداعٍ     وَ وَدَّعتُ البِــــلادَ بلا ســــــــلامِ

يقـــولُ ليَ الطَّــبيبُ أكَلتَ شــــيئاً     وَ داؤكَ في شــــرابِكَ و الطَّــعامِ

و ما في طــــــِبِّهِ أنـــــي جَـــــوادٌ     أضــــرَّ بجِســــــمِهِ طولُ الجِمامِ

فإن أمرَض فما مَرِضَ اصطباري    و إن أُحمَـــــم فـــما حُمَّ اعتزامي

و إن أســـلَم فمــــا أبقـــــى و لكن    سَـــــلِمتُ من الحِمامِ إلى الحِمـامِ

تَمَتَّع مِن سُــــــهادٍ أو رُقـــــــــــادٍ     و لا تــــأمَل كَرىً تَحتَ الــرِّجامِ

فإنَّ لثالِثِ الحـــــــــالَينِ معنــــــىً     ســـــــوى معنى انتِباهِكَ و المَنامِ

 


English translation

The following is supposedly part of an English translation of the same poem by Charles Issawi. Published in a book called Medievel and Middle Eastern Studies in Honour of Aziz Suryal Atiya, edited by Sami A. Hanna.

In Egypt weak and miserable I lie
My sick bed sick of me, and of it I,
Few friends to comfort me, my body shrunk,
And, without liquor, reeling like a drunk.

My visitor, as though from modesty,
Will only in the darkness come to me;
She spurns the couches which for her I spread
And in my bones prefers to make her bed;
My skin's for her and for my breath too tight -
She stretches it with every sort of blight;
The dawning light drives her away, and lo
From every pore her streaming tears do flow;
Listless and weak for her each night I wait,
Like lover fearul lest his love be late;
And she, perversely constant, always true,
Has never yet once missed her rendez-vous.
Daughter woe, all woes do dwell in me -
I had not thought they would make room for thee.

 

Link to the book on google books:

http://books.google.com/books?id=q9YUAAAAIAAJ&pg=PA237&dq=mutanabbi+malaria&ei=CMuaSNmhCZCkjgGNoIX3Aw&sig=ACfU3U3m7D305yFI7HEYakSFOtV3rC55DA#PPA238,M1