لم أقابل ليندا و لا مرة وجهاً لوجه. لكن علاقةً خاصةً جمعتنا فترةً قصيرة من الزمن. بدأ الأمر عن طريق صديق أمريكي قديم. كان يدرّسني الأنجليزية في المدرسة الثانوية. وقتَها كنتُ أترجم أجزاءَ من كِتاب "مدينة الله" للقديس أغسطينوس، و كان هو منبهراً أن يهتم طالبٌ بمثل هذا العَمل. حين عادَ إلى بلاده بقينا على اتصال من حين لآخر. و منذ ستة أشهر، أرسل لي رسالةً بها موقع ليندا الشخصي و طلب منّي أن أرسل لها تعليقاً. كانت ليندا صديقة أخيه و كان يريدني أن أعرف حكايتها بما أنني أعمل في مجال السرطان.
ليندا في ثلاثينيات عمرها، و هي فنّانة أقامت العديد من المَعارض بالولايات المتّحدة. لم تكُن على جانب كبير من الشهرة، معارضها معظمها بولاية إنديانا حيث عاشت. على أن فنّها به روح مميزة يمكن تمييزها بسهولة في الرسومات. ليست الحكاية عن فنّ ليندا، و لكن عن السرطان! في عام 2005 أكتشف الأطباء في جسدها سرطان المبيضين. و من ذلك التاريخ فصاعداً، اختلفت حياة ليندا تماماً عمّا قبلها. أجريت لها أربعة عمليات جراحية، و جرّبت سبعة أنظمة للعلاج الكيماوي آخرها كان دواءً جديداً قبلت أن تدخل في دراسة بحثية عنه.
أرسلتُ لها رسالةً بالبريد الاكتروني بناءً على طلب مُدرّسي، و ردّت ليندا في اليوم التالي. و هكذا بدأت مراسلاتنا و تتالت. أخبرتني عن العمليات التي أجريت لها و عن نُظًم العلاج الكيميائي التي خضعت لها، أخبرتني أنها تُعالج بدواء في طور التجربة. كانت تؤمن أن الأطباء سيصلون حتماً لعلاج.
أقامت معارض عديدة أثناء مرضها. كَتبت لي عن قيمة الفن و الجمال في الشفاء من السرطان. في رسالتها الأخيرة لي كتَبت:
" مثّل اليوم تحدياً عقلياً كبيراً بالنسبة لي، لكنني حين أدرك أن إيماني يؤثر في الآخرين أشعر بتحسن. هناك أيامٌ يهتز فيها إيماني، لكنه يظلّ موجوداً....
إنك اخترتَ تخصصاً به تحديات، لكنني أثق أنه في المستقبل سيشهد انتصاراتٍ عديدة. يقاوم الناس السرطان بطرق مختلفة، أنا مثلاً وجدتُ أن مقاومته طبياً فقط أمرٌ مرهقٌ ذهنياً و جسدياً و روحياً. يجب عليّ أن أثق في الأطباء لكي أعرف ما هو في صالحي، لكن آراءَهم كثيرة و مختلفة بتعدد الخيارات المتاحة. يمكنني فقط أن أثق تماماً في الله...
جسدي ما زال يعمل جيداً، بالرغم من أن جهدي صار أقل و صرت أتعب سريعاً. لا أزور أماكن كثيرة، يبدو أن كلَّ مرة أخرج فيها أصاب بعدوى أو أعود بالتهاب رئوي...
لكن الجو بدأ اليوم في الاعتدال، و ربما أستطيع الخروج أكثر..."
كان آخر ما كتبتُ لها:
" ليندا، عندما اخترتُ تخصصي كنتُ أظن أنني سأساعد بعض الناس في صراعهم مع هذا المرض اللعين. الواقع أنني اليوم، بعد ثلاثة أعوام من العمل مع مرضى السرطان، اكتشفت أنني أحياناً كثيرة ما أتقابل مع مرضى يساعدونني في اكتشاف الحياة...
تذهلني قوتك الروحية! هي لي علامة لحضور الرجاء في عالمنا اليوم... أنني أصلي أن تكملي رسالة الرجاء و الفن و الجمال التي تقومين بها في حياتك..."
أخبرني قريبها أنها ماتت الأسبوع الماضي. كانت تضع رسالتي الأخيرة أمامها على المرآة. طلبت منه أن يخبرني أنها أحبت رسائلي لها و أنها تظن أن الأطباء سينتصرون في المعركة.
لم يتبقَ لي وقتٌ كي أخبرها أنني متمسكٌ بنفس الرجاء، و أنني أحببت فيها تقديرها للأمور الصغيرة البسيطة. و في حين قابلتُ أناساً يبدون دائماً في سخط و شكوى من لا شيء تقريباً، كانت هي - و مثلها كثيرون من المرضى الذين قابلتهم - يواجهون الحياة بشجاعة و رجاء. كنت أريد أن أشكرها لأنها أثبتت لي - في وقت كنت أحتاج للإثبات بشدة - أن الإنسان يمكنه أن يخرج من نفسه حتى في أسوأ الظروف، و مع ذلك يبقى سعيداً و مستمتعاً بالحياة.
كنت أريد أن أقول لها أن التواصل الإنساني بيننا كان جميلاً، لأنه كان صادقاً!
القصة ليست حزينة على الإطلاق بالنسبة لي؛ فيها من السكينة و الرجاء ما يكفي كي يجعل نهايتها - و إن كانت موتاً في الظاهر - نهاية سعيدة!
كنت أحيانا
والأن أواجهها يوميا ,بل وأجدني أبحث عنها تكرارا في محركات الجوجل والكتب بعدما شخص المرض لدى أبي
أحببت أنك لم ترى فيها قصة حزينة , فبعد الصدمة الأولى وما تزرعة بنا من أحزان وبرغم لحظات الضعف والانهيار عندما تعيش المعاناة اليومية لمن تحب وساعات الخوف قبل كل فحص جديد وخيبات الأمل والانكسارات عندما تصدمك النتيجة , لكن هذة التجربة تستحضر بنا أعمق ما كان راقدا فينا من مشاعر التي لم نختبرها ولم نلمسها ولم نعرف أنها تعيش في داخلنا حتى تتفجر بفعل تلك اللحظات , وتبعث فينا الرجاء وبشكل غريب نوعا من السكينة تكفي لها ابتسامة أمل في وجة مرضانا وأمامها تتقزم وتنحسر بقية الأشياء
تحياتي
عشتار
أتفهم تماماً ما تمرين به... من السّهل أن نتحدث عن أشياء طالما هي بعيدة عنا. صراحةً لا أستطيع توقع رد فعلي إن كان الأمر يمسني شخصياً. لكنني أزعم أنني أقرب إلى المشكلة بحكم العمل.
فعلاً التجربة بها من الغنى الإنساني ما لا يمكن تخيله، و هي في رأيي تغير نظرتنا للحياة تماماً بعد ذلك.
"أمامها تتقزم و تنحسر بقية الأشياء"، أحسنتِ التعبير!
تحياتي
للأسف انا لا
للأسف انا لا أثق فيما يسمى الان بالطب التقليدي، وأعتقد ان طب المستقبل سوف يشعر بالهلع مما فعله طب اليوم بمرضاه، مثل العلاج الكيماوي. العاملون في الطب الطبيعي و الطب المتكامل
integrative medicine
يعتقدون ان السرطان له علاج. خد عندك مثلا نبات
peau d'arco
فقد اعتقد البعض انه يشفي السرطان، وعندما بدأت الابحاث عليه توقفت بعد فترة وجيزة لسبب مضحك في رأيي، فقد وجدوا انه يقضى بالفعل على الخلاياا السرطانية ولكن بجرعات مرتفعة جدا يمكن ان تسبب تسمما، فتم التخلي عن تجربته هكذا بمنتهى البساطة. لكن السبب واضح وهو انه مادة طبيعية لا يمكن تسجيلها لشركة ادوية تحقق منه المليارات. والله أعلم
علاح السرطان
الأستاذ محمد،
هناك بالفعل أنواع من السرطان يتم علاجها تماماً، و هناك أدوية (علاج كيماوي) فعّالة إذا استُخدِمت مع طرق علاحية أخرى كالجراحة و العلاج الإشعاعي.
طبعاً بعض الأدوية لها مضاعفات سخيفة و لكن يتم تعديلها مع الوقت.
الطب المتكامل؟ هل يمكنك إرسال روابط أكثر توضيحاً للموضوع؟
شخصياً أعتقد أن هناك جوانب أخرى من علاج السرطان لا يلتفت إليها الطب التقليدي فعلاً. نحن الأطباء نظن أنن وسائلنا هي كل شيء و الواقع أن السرطان - بحكم كونه حالة ضعف إنساني في الأساس - به من الجوانب ما لا يراه الطب التقليدي.
تأثرت