النبي الإفريقي

صَدًر حديثاً

غلاف الكتاب
حالياً بالمَكتبات...

النبي الأفريقي - 10

و حينَ رآه أحدُ تلاميذه،
- و كان حارساً لسور المدينة -
حاملاً مزوداً و كيساً
و هامّاً بالسفر؛
سأله:
" يا معلم، امكث معنا
فالمدينة بحاجةٍ إليك"

فالتفت المصطفى نحو تلميذه
و حدّق في الأرض كأنما رآها أولَ مرةٍ
و قال له:

" قد جئتُ هنا غريباً منذ ألف عام
و ها أنا أرحلُ غريباً ايضاً
و إنني لأبقى غريباً أينما حللتُ.

إنّ النبيَّ يحمل غُربته على كتفيه
كما يحمل وطنه.
و إنه إذا حلّ في مكانٍ
صيّره وطناً،
و صيّره المكانُ غريباً!"

فسأله تلميذُه:
" و أين تسند رأسك يا معلم
فتستريح عند نهاية النهار؟"

فابتسم و أضاء وجهه
كأنما لاقى صديقاً، و قال:
 
" ليسَ لنبيٍّ أن يسندَ رأسَه؛
لكنَّ قلبَه ليستريحُ
حيثما وُجد الإنسان.
 
و إن راحةَ النبيّ هي أن يعمل
طالما الوقتُ نهاراً.
 
هكذا تصبح راحتُه عملاً
و عمله راحةً؛
مثلما وطنُه غُربةٌ
و غربته وطنٌ."

النبي الإفريقي - 9

حينَ عبَر المُصطفى وادي البُكاء
و كانَ لتوّه قد هَدَم صَنَماً جديداً،
احتدّت روحُه فيه.
 
و بَكى النبيُّ
لأن أرواحاً كانت تهلك كلَّ يومٍ
في ذلك الوادي
و لأنَّ بكاءَ تلك الأرواح
كان يتصاعدُ نحوَ السّماء
بينما السّماء صامتة.
 
فصرخ النبي،
و قد نظرَ نحوَ السماء
- و كان الجمعُ واقفاً ينظر -
"أيتها الآلهة الصامتة
المُختبئة خلفَ حجاب السّحب
ألا تسمعينَ صُراخ العابرين
في وادي البكاء؟"
 
فاندهش الجمعُ، و ارتعب التلاميذ
أمّا هو فمضى وحيداً نحوَ البحر.
 
و في تلك الليلة،
صارعه إنسانٌ حتّى الفجر.
و غَلبه المُصطفى،
لأنّه صارَع كثيرينَ قبلاً.
 
و في الصباح،
جاءه صوتٌ يكلّمه،
و قد سمعه التلميذ الذي كانَ يحبّه:
"طوبى للعابرين في وادي البُكاء،
و طوبى للأنبياء الصارخينَ في وجه السّماء
معهم، و مِن أجلهم"
 
لكن المُصطفى لم يعلم
إن كانَ الذي كلّمه ملاكٌ أم شيطان!

النبي الإفريقي - 8


وَ حَدثَ أن مرَّ به تلميذٌ
و كان المُصطفى مستلقياً على العُشبِ
يداعبُ زهرةً، و امرأةً
فشكَّ بهِ
لأنَّ النبيَّ لم يكُن قد شوهِد مع هذه المرأة من قبل
.
أمّا هو، فعرف ما في قلبه
لآنّه كانَ يعرف الإنسانَ
فالتفت إلى المرأة، ثمّ الزهرة و العُشب
و التلميذِ؛ و قال:
.
يا صديقي، لا يأخذنّك شكٌّ
إن أنتَ رأيتَ نبيّاً يداعب امرأةً
فإنه بهذا يلمسُ قلبَ الكون
و إنه بتلك اللمسة،
ليصيرَ نبيّاً!"
.
"كالزهرة، هكذا العُشب
و المرأة
شعاعٌ من قلب الله
من لمسَ أيّاً
فقد مسّت أصابعه نورَ الله"
.
فتعجّب التلميذُ من كلامه
فابتسم النبيُّ و أحنى رأسه قليلاً
ثم أخذَ بذراع المرأة
و مضى متجّهاً نحو الشمس

النبي الإفريقي - 7

و عَلمَ السّلطانُ - و كان طاغية -
أن نبيّاً قام يعلّم بين النّاس
فالتمس أن يراه.

فلما جاءَه رُسُلُ السّلطان،
التفت المصطفى إليهم
ثمّ خاطب الجمعَ الواقف أمامه قائلاً:

"الحقَّ الحقَّ اقول لكم
إن سلطانَكم لهو أفقركم جميعاً
و إن أشدّكم فقراً لهو أعظم منه"

فنهره تلاميذه
لأنهم خافوا أن يُغضِبَ كلامُه السّلطانَ و رُسُله
أمّا المعلم؛ فرفع عينيه نحو السّماء

و نظر إلى الشّمس الغاربة و قال:

"إن وهج السلطان سينتهي

أما حكمة النبيّ فباقية إلى الأبد.

و غداً تنظرون نهاية السلطان
و إذا نظرتموها، فاعلموا أنه لن يعود

أما أنا، فقد جئتُ سبعَ مرّاتٍ من قبل
و أنا ذاهبٌ أيضاً إلى الذي أرسلني
و سأعود بعد زمان...

لأن النبوة رسالة الحكمة
فهي خالدة خلود الآلهة

أما السلطة فهي مجد الجسد
و هي تزول بزواله."


Syndicate content