أقباط

الطلاق و التطليق، هل من أصول كنسيّة؟

    يخطيء من يظن النقاشَ حول الطلاق في المسيحية جديداً. و الواقع أنه أقدم من العصر الحالي و من لائحة 1938 – و التي يتم دائماً الإشارة إليها باعتبارها أقدم ما صيغَ في الكنيسة القبطية بخصوص تشريع الطلاق. ماذا إذاً عن "ما قبل 1938" – إذا جاز التعبير؟ و ماذا عن الكنيسة القبطية قبلها؟ و ماذا عن الكنيسة الجامعة قبل الانقسام؟

    لفت انتباهي صديقٌ منذ أيّام إلى أن تعبير "زواج كاثوليكي" غارقُ في التغريب؛ إن هذا التعبير الذي دائماً ما يراد الإشارة به إلى علاقة لا تنحلّ يعتمد أساسً على كون الكنيسة الكاثوليكية تمنع الطلاق تماماً – حتى لعلّة الزنا ! لكن الكنيسة الكاثوليكية في المقابل لها نظامٌ محدد للانفصال بين الزوجين؛ و هو نظامٌ يوحي أنه مقتبَس مما هو أقدم و أكثر أصالةً – ربما من روافد ما قبل الانقسام.

    لا شكّ أن الكنيسة الجامعة – و تلى ذلك الكنائس الرسولية – قد اعتبرت دائماً الزواج سرّاً مهماً فيه يعمل الروحُ القدس من خلال شخصين يجمعهما الحُبّ خالقاً بهذا أيقونةً للكنيسة. إن التشبيه الأقرب لاتحاد المسيح بالكنيسة كان دائماً هو اتحاد الرجل بامرأته. و هكذا – و من منطلق خصوصية الزواج في الكنيسة – فإنها اعتبرت هدم عهد الزواج أمراً خطيراً يستوجب الحذر. لكن، على الجانب الآخر، فإن الكنيسة كانت دائماً واعية لاختلاف طبيعتها عن المؤسسات الزمنية، و لا ختلاف المسيحية عن الديانات الأخرى كونها لا تحمل تشريعاً بل بشارةً و حياةً. و على هذا الأساس سلّمت الكنيسة أمرَ البتّ في مشاكل الزواج بيد الأسقف، الذي كان من حقه أن يطلّق الزوجين بعد أن يبحث بنفسه الأمرَ بينهما. و صرّحت الكنيسة بالزواج الثاني و الثالث أيضاً بعد التطليق على يد الأسقف.

    لقد تطورت هذه الممارسة خلال العصور المختلفة. و قد عُرفت فيما بعد "بالإيكونوميا" و هي كلمة يونانية تعني "التدبير". و قد عنى الآباء بالتدبير هذه المساحة التي تستطيع فيها الكنيسة أن تتفهم حالة كل زوجين على حدة وتقرر معهما ما هو أنسب للطرفين. في هذه الحالة، فإن الكنيسة تلغي – في ألم و حزن شديد – عهد الزواج حرصاً منها على طرفيه. يقول يوحنا ذهبي الفم : "في هذه الحالة يكون من الأفضل حلّ العهد من أن يخسر الإنسان نفسه!"

    أمّا التصريح بالزواج الثاني، فقد اعتبرته الكنيسة في إطار "الإيكونوميا" تعاملاً خاصاً مع الضعف البشري. و من هنا فإنه من حقها أن تعطي تصريحاً من منطلق تفهمها لطبيعة الإنسان و عملها الخلاصي في خدمته. لكن الكنيسة لم تجعل التصريح بالزواج تلقائياً يتبع التطليق، لكنها أعطته من واقع كل حالة على حدة.

    لم تستمر هذه المباديء بشكل واضح حتى اليوم سوى في الكنائس الأرثوذكسية الشرقية (و هي العائلة الكبرى من الكنائس الأرثوذكسية التي تعترف بمجمع خلقيدونية، تمييزاً لها عن الكنائ الشرقية القديمة – العائلة الأصغر التي لا تعترف بالمجمع، و فيها الكنيسة القبطية). حتى اليوم، يستطيع الأسقف في الكنيسة الأرثوذكسية أن يعطي حقاً بالتطليق إذا ارتأى هذا بعد دراسة حالة الزوجين. وقد يتبع التطليق تصريحٌ بالزواج أو لا يتبع. لكنّ الكنيسة لا تعطي تصريحاً بالزواج بعد المرّة الثالثة، كذلك فإنها تمنع اختيار الكاهن من بين أبناء الزواج الثاني.

    ربما يفسر هذا وجود طقس للزواج الثاني و الثالث في الكنائس الشرقية أيضاً. هذا الطقس الذي يختلف في مضمونه كثيراً عن طقس الزواج الأول. لا يتسم طقس الزواج الثاني بالفرح و البهجة بقدر ما تعلن فيه الكنيسة توبتها و ألمها و اضطرارها لهذا التصريح حرصاً منها على خلاص الإنسان و تفهماً منها لضعفه البشري. لا يمكن فهم هذا الطقس في إطار التصريح بالزواج الذي يتبع طلاقاً لعلّة الزنا فقط، ففي هذه الحالة ليس الطرف المتزوج هو المُخطيء و بالتالي فإنه لا مبرر للتوبة. إلا أن هذا الطقس يتضح بشدة في سياق مفهوم الكنيسة المقدس عن الزواج كسرٍّ يعمل فيه الروح القدس، و في سياق واقعيتها كذلك و إدراكها أن هذا العمل يتم من خلال بشرً قد لا يستطيعون دائماً الاستمرار بشكل صحي في العلاقة.

    إن مفهوم "الإيكونوميا" – "التدبير" قد وضعته الكنيسة انطلاقاً من فهمها لطبيعة رسالة المسيح الخلاصية للإنسان، و كذلك انطلاقاً من تعليمه المباشر للكنيسة – من خلال الرسل – أن "ما تحلّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء و ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء". هذا التصريح لم تستخدمه الكنائس الشرقية بإفراط (كحال الغرب مثلاً) لكنها وضعته في إطار فهمها لرسالتها كخادمة للإنسان و محققة لغاية رسالة المسيح المفرحة.

    ليست لائحة 1938 إذاً – و في ضوء هذه الخلفية – إلا صياغةً لما مارسته الكنيسة غالباً دون لوائح. و الواقع أن صياغة اللائحة في حد ذاته و تقديمها للدولة كقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين من قبل المجلس المللي، صياغتها و تقديمها جاءا في إطار محاولة المجلس المللي و قتها للحدّ من سلطة الإكليروس و توسيع سلطات المجلس الذي يمثل العلمانيين.

    لكن وجود اللائحة من عدمه هو في النهاية تحصيل حاصل؛ فالمهم هو مدى تفهم الكنيسة لدورها و انفتاحها الإنساني على معاناة الناس و آلامهم، و استعدادها – في النهاية – لاستخدام سلطانها الممنوح لها في خدمة الإنسان و سعادته انطلاقاً من وعيها لبشارة المسيح.

(نُشرت بالبديل 24/3/2008)

معاً أمامَ الله

" و بينما هما يتصارعان ، و كان واحدٌ منهما يعمل بالحقل و الآخر يصنع خبزاً، كادَا أن يفني أحدهما أخاه. حتى ارتعدت الأرض مما هو عتيدٌ أن يكون. و إذ أشرقت الشمس عليهما، كانا كلاهما عاريين أمامها و قد أعياهما أن يقتتلا...

فأمسك الأخ بيد أخيه، و أقامه؛ و قال له: أنظر، ها نحن الآنَ معاً أمام الله و أمام الشمس و الأرض! فهلمّ نختار الحياةَ لكي نحيا.

فقطفا سنابلَ من الحقل، و أعدّا خبزاً و كسراه... ثم مضيا كلاهما معاً"

[ من سفر "المصالحة" - الإصحاح الأول]

 

 

    مر عامان منذ نشأت فكرة مبادرة "مصالحة و مصارحة"؛ خلالهما تقابل مدونون - مسلمين و مسيحيين - بشكل شبه منتظم.

كنا نبحث - و مازلنا - عن وضع تصور لعلاقة حقيقية بيننا. و كنا نحلم - و مازلنا - بمستقبل لا يحمل مزيداً من العزلة و لا الانغلاق بين الطرفين. و كنا نبتكر - و مازلنا - حلولاً جديدة لأزمات قديمة لا نريدها أن تطول.

كانت الطريق صعبة، و المصارحة - أحياناً - مؤلمة؛ لكننا لا نرى لها بديلاً في سعينا نحو المصالحة. و ها هي فكرتنا ترى النورَ اليوم.

    إن كنتَ تقرأ هذه السطور، أو مثلها في مدونات أصحاب المبادرة، فأنت مدعو للمشاركة: مسلماً كنتَ أو مسيحياً في مسيرة المصالحة و المصارحة!

نقدُ النّقد: مؤتمر العَلمانيين الثاني -2

 
4- أوراقٌ جادة، و أحاديث المُسامَرة
 
    هناك فرقٌ واضح بين أحاديث الأصدقاء و أحاديث الندوات. يُدرك منظمو المؤتمر هذا الأمرَ جيّداً؛ و إلاّ ما الداعي لتباعد المؤتمر الثاني عن الأول بنحو خمسة اشهر؟ على هذا كان مُتوقَّعاً أن تعدَّ الأوراقُ إعداداً جيّداً، على مستوى المُحتوى - و هو ما كان حقيقياً في أغلب الأوراق - ، و أيضاً على مستوى التقديم.
    كانت الموضوعات حقّاً مهمّة و الأوراق جادة. على أن عيبَين برزا في بعض ما قُدِّم: أولهما هو غياب المرجعية، سواء في الورقة المكتوبة أو أثناء تقديمها. لا يمكن أن يؤخذ على محمل الجدّ  - مثلاً - مُتحدثٌ يقول بكل ثقة أن الدسقولية كتابٌ لا قيمة له. و مع أن نسبة الدسقولية للرسل الأثني عَشر مُنكرة تماماً بالمنطق و بالبحث معاً؛ لكن الكتابَ موّثقٌ و مؤصلٌ و مدروس! (راجع د. وليم سليمان قلادة و بحثه و ترجمته للدسقولية)
    كلامٌ مرسل بلا توثيق، و هو أيضاً كلام مثير؛ و هو أيضاً كلامٌ لا داعي له كما ذكرت سابقاً. عباراتٌ من الكتاب المقدس تُذكر بالتقريب و بلا مرجع، تأكيدات مبهمة على معلومات "مؤكدة" لدى المتحدث دون تأصيل. ليس هذا جوّاً أكاديمياً مثالياً!
    العيب الثاني كان في كتابة الأوراق. (لربما يبدو أمراً بسيطاً لكنه من الأهمية بمكان في سياق أوراقٍ بحثية جادة)؛ أخطاء الكتابة و الإملاء كانت بلا شك تحتاج مراجعةً. و باستثناء ورقة الدكتور عماد جاد، فإن الأوراق جميعها اشتملت على أخطاء لغوية و إملائية و خلت من ذكر أية مراجع.
 
5-  المنهجية، الفريضة الغائبة
 
    إن كان ثمة فريضة غائبة عن مجتمع المثقفين في مصر فهي المنهجية! و في هذا استكمال للنقطة السابقة؛ فإن كان الشكل الذي قدّمت به الأوراق قد شابته بعض العيوب، فإن العيب الأكبر هو في غياب المنهجية. لم يبدُ ان هناك موضوعاً يجمع المؤتمر باستثناء "الإصلاح". لم تكن الأوراق متناسقة بعضها مع بعض من حيث الموضوعات أو المنهج او أسلوب الطرح. ثمة حاجة ماسة للتميز بين أصحاب النوايا الحسنة و أصحاب الرؤى و الأكاديميين؛ يتبع هذا تميزٌ واضح بين الأوراق البحثية و المقالات و مشروعات القوانين و الخطوط العامة و الخواطر. و لإن كانت الكنيسة الرسمية قد سقطت في غياب المنهجية، فإن السعي نحو الإصلاح ليبدأ فعلياً في إطارٍ محدد و مدروس و منظم.
    على أي حال فإن السعي قد بدأ، و الطريق طويلةٌ؛ و بوسع العَلمانيون تقديمَ الكثير... فهل من جديد في المؤتمر الثالث؟
 
 

نقدُ النّقد : مؤتمر العَلمانيين الثاني - 1

    يتصاعَدُ الجَدَل حول المؤتمر الثاني للعَلمانيين منذُ إقامته و حتّى اللحظة. و باستثناء بعض المقالات، فإن النقاشَ لا يبدُ - بالنسبة لي - موضوعياً؛ كما أن بعضَ التعريفات تبدو مفقودة، أو مخفيةً قصداً أو جهلاً.
لم أحضر اليومَ الأول. لكن جدلاً لم يُثَر حوله مثل لاحقه. تابعتُ اليومَ الثاني و ما لحقه في اهتمامٍ؛ و قد اكتملت في ذهني بعضُ ملاحظاتٍ.


1- الكنيسة صامتة، و القافلة لا تسير

    تعامَلت الكنيسةُ - رسمياً - مع المؤتمر كأنه لم يكُن أصلاً. و بالرغم من أن الأوراقَ كانت متاحةً قبل انعقاد المؤتمر بفترة كافية، إلا أن تعليقاً واحداً لم يصدر عن الكنيسة حولَ مُحتوى هذه الأوراق. منذ أشهر، ظهر البابا شنودة على شاشة التليفزيون قائلاً: "إذا وصلتني شكوى من أحد فإنه من واجبي - دون الحاجة أن ينبهني أحدٌ - أن أُحقّق فيها". كان ساعتها مُدافعاً عن التحقيقي مع الأنبا كيرلس أسقف نجع حمّادي.
    فماذا عن أوراقٍ جادّة أُرسلت إليه قبل المؤتمر؟ و ماذا عن اقتراحاتٍ حقيقية للتطوير (دعنا من الإصلاح!) قدّمها خبراءٌ (كمشروع قانون المُحاكمات)؟ أليس من واجبه مُناقشتها؟ أو على الأقل التعامل معها بشيء من الجدّية؟
    اختارت الكنيسة موقفَ الصمت و التجاهل، و قد يبدو هذا منطقياً بينَ اعداءٍ. فهل اعتبرت الكنيسة منظمي المؤتمر أعداءً ينبغي تجاهلهم؟
    فإن صحّ افتراض العداء، فهل ساهم المُعارضون في صياغة الأمر على هذا الشكل؟ هل كانت نبرة الحوار أحياناً عالية بشكل قد يستفز الكنيسة و يفقد المعارضين مصداقيةً جماهيرية يحتاجون إليها؟


2- من نحن؟ نوايا حَسَنة بدون تعريفات

    من جانبهم، لم يقدّم "العلمانيون" تعريفاً محددّاً لهويتهم. فهم تحالفٌ غير متجانس من الأفكار، تجمعهم رؤيةٌ - تبدو حتى الآن غير مكتملة - للإصلاح. لكن الناظر من بعيد و المتابع لا يستطيع أن يتبين على وجه الدّقة في أي اتجاهٍ يسيرون. فما بين النّداء "بالعودة إلى الآباء"، و هو اتجاهٌ "أصولي" للإصلاح يعتبر الكنيسةَ واقعةً في أخطاء - بالأكثر تعليمية و لاهوتية - من جرّاء تجاهلها للتعليم الابائي المُستقيم؛ و بين النداء "بالتطوير و التحديث"، و هو اتجاهُ "حداثيٌّ" يرى الإصلاحَ تنظيمياً ممَثلاً في تأصيل المؤسسة؛ ثم نداءٌ عامٌ "بالثورة"، و هو اتجاه رافضٌ للمؤسسة التقليدية - الكنيسة بشكلها الحالي يرى الإصلاح في تعديلاتٍ أكثر من تنظيمية على مستوى الجذور. بين هذه التيّارات، لا يبدُ أن شيئاً يجمع سوى كلمة "الإصلاح".
    و بالرغم مما كُتب في مقدمة الأوراق بعنوان "من نحن"، فإن التوضيح في أذهان العامّة لم يزل مُلتبساً. و أظن أن الوصول لأهدافٍ حقيقية يقتضي تنظيمَ الصفوف بعض الشيء.
    إن تباين الرؤى لا شكّ أمرٌ صحيٌّ، لكنه - في رايي - يُفقد المجموعة كثيراً من مصداقيتها على المستوى الشعبي، و هو ما لابد أن تسعى لاكتساب تأييده حالياً. على الأقل يمكن التركيز على جانبٍ واحدٍ من "الإصلاح" و الحديث فيه. على المُعارضة أن تُدرك جيداً ماذا تريد؛ فما كان مقبولاً في المؤتمر الأول من حشدٍ للقُوى داخل معسكر واحدٍ لتجميع الأفكار Brain Storming لا حاجةَ لنا به الآن. بل الحاجة إلى تنظيم تلك الأفكار تبدو اليومَ أكثر إلحاحاً. و لربما أن الحاجة إلى "تصدير" هذه الأفكار الجادة شعبياً هي أيضاً أمرُ مهم.


3- "الميكروفون مع سيادتك"، أو كيف تتحدّث في كلّ شيء إن واتتك الفرصة

    استكمالاً لما سبق، و في ضوء غياب التعريف و الأهداف؛ سقطَ البعضُ في أخطاءٍ لم يكُن المؤتمر في حاجةٍ إليها. و ما أُثيرَ حولَ مفهوم الوحي في المسيحية بدا بعيداً عن غاية الإصلاح كبُعد اللغة الصينية عن الشعر الجاهلي!
    لم يكُن هناك داعياً أبداً أن يتحدّث عارض ورقة مشروع قانون المحاكمات الكنسية عن وجهة نظره في موضوع الوحي أو وضع المرأة في المسيحية؛ و لم يكُن هناك داعياً أن يوضح كمال زاخر مرتين خلال المؤتمر - و هو أكثر وعياً بمجريات الأمور - أن ما قيل لا يعبّر عن وجهة نظر المؤتمر. كان باستطاعة أصغر الحاضرين و أقلّهم ذكاءً أن يتوقع مانشيتات الصحف في اليوم التالي و أن يتوقع هجوما أكثر عُنفاً - و قد صار مُبررَاً شعبياً و موثّقاً - من قياداتٍ في عداء حقيقي مع جبهة العَلمانيين.
    كان يمكن توفير الجَدل، و مقالاتٍ كُتبت في الدفاع لو أن المتحدّثين تأملوا قليلاً فيما يريدون حقّاً من مؤتمرٍ كهذا.
    و لا أعرف لماذا ترك كمال زاخر القيادة! و أظن أنه الأقدر على التحدث و صياغة الأفكار، كما أنه يحوز قبولاً شعبياً من جرّاء كونه أقل المُعارضين "تصادمية" و أكثرهم مصداقية. و هو الأقدر على الوصول إلى القصد المنشود، بل أنه الأقدر - و معه هاني لبيب - على فتح حوار حقيقي جاد مع قادة الكنيسة. و أظن أن قنوات الاتصال لم تزَل مفتوحةً بعد.

(يُتبَع)



كِتاب

    هذا كتابٌ أدعوكً لقراءته، كاتبه هو الأب الدكتور كريستيان فان نسبن اليسوعي. رجلٌ قصى حياته من أجل الحوار، الحوار الحقيقي لا المُصطَنَع. ربما كما ذكَر شريف كان هو الوحيد المُخلص خلال جَلسة النِقاش. ربما! على أن هذا أيضاً يظلُّ علامةُ رجاءٍ، أن يكونَ هناك إنسانٌ مخلصٌ للحوار يحيا بيننا.
    تمّ ذكر المدونات كثيراً في اللقاء من خلال ما كُتب عن المؤلف فيها.
كان النقاش في معظمه خالياً من المِصداقية كما شعرتُ، لكنَ مع هذا كان حضور الأب كريستيان يشع رجاءً!
    الكتاب صدَرت ترجمته العربية عن المجلس الأعلى للثقافة منذ شهور، بعنوان " مسيحيون و مُسلمون؛ أخوة أمام الله"
الأب كريستيان
    يعرض المؤلف في الجزء الأول لخبرته الخاصة في العلاقة مع الإسلام. و يحكي عن ظروف مجيئه لمصر و اكتشافه للثقافة الإسلامية، و عن سنوات الجامعة و دراسته العليا عن الشيخ محمد عبده. في هذا الجزء يركّز على انطلاق رؤيته للحوار من خلال خبرته الشخصية و علاقته الخاصة بصديقه محمود رجب. شخصياً أجد هذا الجزء هو الأكثر إمتاعاً و مصداقية.
    في الجزء الثاني، يتحدّث المؤلف عن رؤيته للعلاقة بين المسيحيين و المسلمين. و هو لا يغرق في التفاؤل، و إن كنتُ أرى أنّ مسحةً من الواقعية تنقصه، و إن كانت المصداقية لا تنقصه. فهو يعيش ما يقول و يقول ما يعيش دون رياء. و هذا هو سرّ روعة الكتاب و تفرده.
    اللقاء في الله، و اللقاء في الصلاة؛ يجعل الكاتب الروحانية نقطةَ لقاءٍ بين المسيحيين و المسلمين. هناك تذوب الفوارق كما يرى، و يتغذى كلٌّ منهما بإيمان الآخر. أحد أفضل الفصول هو الفصل الخاص بالصلاة، حيث يعرض لتجربته لطرح أسئلةٍ عن الصلاة بين معارفه ثم الإجابات التي حصل عليها. يكتشف اقاريء غتى الخبرات الإنسانية بعيداً عن مسمّى الديانة.
    العدالة الاجتماعية كمساحة مشتركة للنضال. يعرج من بعيد على فكرة لاهوت التحرير و إن تناولها بشيء من السرعة. كان يمكن التركيز على هذا الجزء أكثر من ذلك.
    لا يخلُ الجزء الثاني من مساحاتٍ للنقد على الرغم من الانبهار الأولي به.طرحه للقضية الفلسطينية بدا أميل للرؤية الغربية - بحُكم تكوينه - عنها للمنظور القومي. و إن كان نقده لأسلمة القضية فيه كثيرٌ من الصحّة.
    تظل خلفية الكاتب الغربية تؤرق القاريء حتّى النهاية، و كاثوليكيته تبعده عن القاريء المُسلم أو القبطي. لكن إذا أمعنتَ قراءة الجزء الأول من الكتاب فإنك تستطيع تخطي هذه العقبة بسهولة و الغوص في خبرة المؤلف الغنية.
    أدعوكم لقراءة هذا الكتاب!
Syndicate content