أقباط

حسن و مرقص

    من سحرِ السينما أن تجلس في قاعةٍ متسعة مع جمهورٍ من البَشر لا تعرفهم، فتشاهد و تسمع ما كنتَ من لحظاتٍ تهمسه في أذن صديقٍ أو تتناقش فيه في بيتك. لا شك أن أحد أسباب نجاح فيلم "حسن و مرقص" ناتج عن هذه الطبيعة السحرية لفن السينما! ربما هي أوّل مرّة يرى المُشاهدون أحاديثهم الحقيقية متجسدة على الشاشة، في موضوعٍ يخشى معظم صنّاع السينما الاقتراب منه.

    أما العامل الثاني للنجاح فهو "الحدوتة"؛ و هي تُحكى بشكل يغري بالمتابعة أيضاً. فالمشاهد يعرف حقيقة الشخصيات بينما هم لا يعرفون، و لهذا أيضاً سحرٌ خاصٌ في السينما! و من هنا فإن الفيلم ممتع حقاً و مشوّق و ناجح جماهيرياً.

    لكن ليس بالتشويق وحده تنجح الأفلام! فمع كونه فيلماً كوميدياً و مشوّقاً، فقد اختار صانعوه أن يناقشوا قضية – غالباً – جادة و مهمة و لا يمكن التعامل معها بسطحية. لهذا خيّب الفيلم الآمالَ أحياناً في تعامله مع القضية.

     اختار المؤلف أن يتخذ خطّاً "متوازياً" للشخصيتين الرئيسيتين على الرغم من تقاطعهما طوال الأحداث. فالمشاهد المتتالية متقابلة و كأنها مقسمة "باشوكة و السكين" (باستثناء رحلة عائلة عادل إمام إلى المنيا التي يقابلها غياب كامل لعُمر الشريف و عائلته طوال 20 دقيقة تقريبا؛ إلى أن يهبط مرة أخرى – من غير أن نعلم من أين! – مسار الفيلم). و ليس التوازي توازناً، و لا العكسَ صحيحٌ! فلكي يحافظ المؤلف على اتزانه فوق حبلٍ رفيعٍ من المجاملات لجأ أحياناً إلى تصور مواقف أوجدها ليقابل بها مواقف حقيقية عند أحد الطرفين. فصلاة "تبريك المنازل" المسيحية – التي هي حقيقة عادية جداً لدى المسيحي المتدين – اقتضت استحداث طقس مقابل لقراءة القرآن بالمنزل لدى الجار المسلم. أنا شخصياً لا أعرف مسلماً واحداً يدعو شيوخَ المسجد لقراءة القرآن و اطلاق البخور عند سكنه بمنزل جديد. المبرر الدرامي الوحيد للمشهد هو ما تلاه من تصاعد البخور من النافذتين المتجاورتين بقصد الإشارة إلى رمز ديني "موحد"؛ و هو في رأيي لا معنى له لأنه غير موجود بالواقع أصلاً!

    على نفس القياس يمكن فهم المشاهد المتتالية/ المتوازية/ المتقابلة بالفيلم. فإذا قال المسلم نكتة وجب على المسيحي أن يقول مثلها؛ و إذا حدث للعائلة المسيحية حادثٌ تجده يتكرر للمسلمين بدون تأخير... و هكذا طوال الفيلم.

    افترض المؤلف تقابلاً ثقافياً و عددياً كي يحافظ على توازي الفيلم. و هو افتراض غير دقيق لأنه في النهاية لا يناقش القضية الطائفية من منظور واقعي بل من منظور متوازي. الواقع يقول أن هناك فرق عددي و ثقافي و اجتماعي بين الفريقين. ذلك أن دور المسلمين في المشكلة الطائفية مختلف تماماً و لا يقابل بأي شكل من الأشكال دور المسيحيين. ربما لهذا يمكن القول أن الفيلم حول "المشكلة الطائفية" و لكنه ليس عنها، و الفارق كبير!

    لم يجهد صنّاع الفيلم أنفسهم في تقديم الجانب المسيحي بشكل حقيقي فعلاً (و إن كان الفيلم هو أكثر الأعمال السينمائية اقتراباً من الحقيقة!). أنا شخصياً لا أستعمل كلمة "الرب" أبداً عند الإشارة لله كما يفعل "المسيحيون السينمائيون" بلا داعٍ! و لا أعرف أحداً يصلي "أبانا الذي..." في وسط صالة المنزل راكعاً، و لا عند إبرام العقود (افتراض آخر أن "أبانا الذي" تقابل "الفاتحة")؛ و ليس بالمنازل المسيحية صوراً بهذا القدر المبالغ فيه (غالباً لا يحتاج المسيحيون لتأكيد هويتهم، لأن في بيوتهم لا يوجد مشاهدون للسينما!)، و لا يرسم المسيحيون الصليب طوال الوقت. الغريب أن تجد هذه الأخطاء "الشائعة سينمائياً"في عمل يفترض أن يشكّل الجانب المسيحي فيه نصفَه، مما يعني أن أحد عوامل الأزمة الطائفية هو غياب الفهم الحقيقي بين الطرفين.

    أمّا إقحام الأسكندرية على الأحداث فليس له مبرر إلا إذا كان المؤلف ينوي عرض أحداث الأسكندرية الطائفية، و هو ما لم يحدث! فلم يخرج الناس إلى الشوارع كي يتقاتلوا لأن شيوخ المساجد و القسوس دعوهم لذلك؛ بل لأن مسرحية تسربت من الكنيسة و فيها إساءة للمسلمين، و باقي الأحداث معروفة للجميع. لهذا لم تكن مشاهد العنف المتبادل مبررة و لا منطقية بالمرة.

    المشهدان الّذان عَلقا بذاكرتي هما مشهد الصلاة المتبادَلة (حين يصلي البطلان كلٌّ في مكان العبادة المقابل) و المشهد الأخير حين يعبران متشابكين موجة العنف. تلحق الإصابة بوجه المسيحي ثم المُسلم، و في رأيي أن هذا تعبيرٌ حقيقي عن مصير الوطن.

شارك معنا - حوار مفتوح

"مسلحان يقتحمات محل مجوهرات يملكه قبطي يطلقان النار فيقتلان صاحب المحل و أربعة من العمال وجميعهم من الاقباط"


ماذا حدث بالضبط في الزيتون؟

و ما دلالات هذا الحادث؟

هل الحادث طائفي؟

هل في مصر مشكلة طائفية حقيقية؟

من يملك الحل للخروج من الأزمة؟

مبادرة "مصارحة و مصالحة" تدعو لحوار مفتوح و محايد حول الحادث و ما يتعلق به.

الطلاق و التطليق، هل من أصول كنسيّة؟

    يخطيء من يظن النقاشَ حول الطلاق في المسيحية جديداً. و الواقع أنه أقدم من العصر الحالي و من لائحة 1938 – و التي يتم دائماً الإشارة إليها باعتبارها أقدم ما صيغَ في الكنيسة القبطية بخصوص تشريع الطلاق. ماذا إذاً عن "ما قبل 1938" – إذا جاز التعبير؟ و ماذا عن الكنيسة القبطية قبلها؟ و ماذا عن الكنيسة الجامعة قبل الانقسام؟

    لفت انتباهي صديقٌ منذ أيّام إلى أن تعبير "زواج كاثوليكي" غارقُ في التغريب؛ إن هذا التعبير الذي دائماً ما يراد الإشارة به إلى علاقة لا تنحلّ يعتمد أساسً على كون الكنيسة الكاثوليكية تمنع الطلاق تماماً – حتى لعلّة الزنا ! لكن الكنيسة الكاثوليكية في المقابل لها نظامٌ محدد للانفصال بين الزوجين؛ و هو نظامٌ يوحي أنه مقتبَس مما هو أقدم و أكثر أصالةً – ربما من روافد ما قبل الانقسام.

    لا شكّ أن الكنيسة الجامعة – و تلى ذلك الكنائس الرسولية – قد اعتبرت دائماً الزواج سرّاً مهماً فيه يعمل الروحُ القدس من خلال شخصين يجمعهما الحُبّ خالقاً بهذا أيقونةً للكنيسة. إن التشبيه الأقرب لاتحاد المسيح بالكنيسة كان دائماً هو اتحاد الرجل بامرأته. و هكذا – و من منطلق خصوصية الزواج في الكنيسة – فإنها اعتبرت هدم عهد الزواج أمراً خطيراً يستوجب الحذر. لكن، على الجانب الآخر، فإن الكنيسة كانت دائماً واعية لاختلاف طبيعتها عن المؤسسات الزمنية، و لا ختلاف المسيحية عن الديانات الأخرى كونها لا تحمل تشريعاً بل بشارةً و حياةً. و على هذا الأساس سلّمت الكنيسة أمرَ البتّ في مشاكل الزواج بيد الأسقف، الذي كان من حقه أن يطلّق الزوجين بعد أن يبحث بنفسه الأمرَ بينهما. و صرّحت الكنيسة بالزواج الثاني و الثالث أيضاً بعد التطليق على يد الأسقف.

    لقد تطورت هذه الممارسة خلال العصور المختلفة. و قد عُرفت فيما بعد "بالإيكونوميا" و هي كلمة يونانية تعني "التدبير". و قد عنى الآباء بالتدبير هذه المساحة التي تستطيع فيها الكنيسة أن تتفهم حالة كل زوجين على حدة وتقرر معهما ما هو أنسب للطرفين. في هذه الحالة، فإن الكنيسة تلغي – في ألم و حزن شديد – عهد الزواج حرصاً منها على طرفيه. يقول يوحنا ذهبي الفم : "في هذه الحالة يكون من الأفضل حلّ العهد من أن يخسر الإنسان نفسه!"

    أمّا التصريح بالزواج الثاني، فقد اعتبرته الكنيسة في إطار "الإيكونوميا" تعاملاً خاصاً مع الضعف البشري. و من هنا فإنه من حقها أن تعطي تصريحاً من منطلق تفهمها لطبيعة الإنسان و عملها الخلاصي في خدمته. لكن الكنيسة لم تجعل التصريح بالزواج تلقائياً يتبع التطليق، لكنها أعطته من واقع كل حالة على حدة.

    لم تستمر هذه المباديء بشكل واضح حتى اليوم سوى في الكنائس الأرثوذكسية الشرقية (و هي العائلة الكبرى من الكنائس الأرثوذكسية التي تعترف بمجمع خلقيدونية، تمييزاً لها عن الكنائ الشرقية القديمة – العائلة الأصغر التي لا تعترف بالمجمع، و فيها الكنيسة القبطية). حتى اليوم، يستطيع الأسقف في الكنيسة الأرثوذكسية أن يعطي حقاً بالتطليق إذا ارتأى هذا بعد دراسة حالة الزوجين. وقد يتبع التطليق تصريحٌ بالزواج أو لا يتبع. لكنّ الكنيسة لا تعطي تصريحاً بالزواج بعد المرّة الثالثة، كذلك فإنها تمنع اختيار الكاهن من بين أبناء الزواج الثاني.

    ربما يفسر هذا وجود طقس للزواج الثاني و الثالث في الكنائس الشرقية أيضاً. هذا الطقس الذي يختلف في مضمونه كثيراً عن طقس الزواج الأول. لا يتسم طقس الزواج الثاني بالفرح و البهجة بقدر ما تعلن فيه الكنيسة توبتها و ألمها و اضطرارها لهذا التصريح حرصاً منها على خلاص الإنسان و تفهماً منها لضعفه البشري. لا يمكن فهم هذا الطقس في إطار التصريح بالزواج الذي يتبع طلاقاً لعلّة الزنا فقط، ففي هذه الحالة ليس الطرف المتزوج هو المُخطيء و بالتالي فإنه لا مبرر للتوبة. إلا أن هذا الطقس يتضح بشدة في سياق مفهوم الكنيسة المقدس عن الزواج كسرٍّ يعمل فيه الروح القدس، و في سياق واقعيتها كذلك و إدراكها أن هذا العمل يتم من خلال بشرً قد لا يستطيعون دائماً الاستمرار بشكل صحي في العلاقة.

    إن مفهوم "الإيكونوميا" – "التدبير" قد وضعته الكنيسة انطلاقاً من فهمها لطبيعة رسالة المسيح الخلاصية للإنسان، و كذلك انطلاقاً من تعليمه المباشر للكنيسة – من خلال الرسل – أن "ما تحلّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء و ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء". هذا التصريح لم تستخدمه الكنائس الشرقية بإفراط (كحال الغرب مثلاً) لكنها وضعته في إطار فهمها لرسالتها كخادمة للإنسان و محققة لغاية رسالة المسيح المفرحة.

    ليست لائحة 1938 إذاً – و في ضوء هذه الخلفية – إلا صياغةً لما مارسته الكنيسة غالباً دون لوائح. و الواقع أن صياغة اللائحة في حد ذاته و تقديمها للدولة كقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين من قبل المجلس المللي، صياغتها و تقديمها جاءا في إطار محاولة المجلس المللي و قتها للحدّ من سلطة الإكليروس و توسيع سلطات المجلس الذي يمثل العلمانيين.

    لكن وجود اللائحة من عدمه هو في النهاية تحصيل حاصل؛ فالمهم هو مدى تفهم الكنيسة لدورها و انفتاحها الإنساني على معاناة الناس و آلامهم، و استعدادها – في النهاية – لاستخدام سلطانها الممنوح لها في خدمة الإنسان و سعادته انطلاقاً من وعيها لبشارة المسيح.

(نُشرت بالبديل 24/3/2008)

معاً أمامَ الله

" و بينما هما يتصارعان ، و كان واحدٌ منهما يعمل بالحقل و الآخر يصنع خبزاً، كادَا أن يفني أحدهما أخاه. حتى ارتعدت الأرض مما هو عتيدٌ أن يكون. و إذ أشرقت الشمس عليهما، كانا كلاهما عاريين أمامها و قد أعياهما أن يقتتلا...

فأمسك الأخ بيد أخيه، و أقامه؛ و قال له: أنظر، ها نحن الآنَ معاً أمام الله و أمام الشمس و الأرض! فهلمّ نختار الحياةَ لكي نحيا.

فقطفا سنابلَ من الحقل، و أعدّا خبزاً و كسراه... ثم مضيا كلاهما معاً"

[ من سفر "المصالحة" - الإصحاح الأول]

 

 

    مر عامان منذ نشأت فكرة مبادرة "مصالحة و مصارحة"؛ خلالهما تقابل مدونون - مسلمين و مسيحيين - بشكل شبه منتظم.

كنا نبحث - و مازلنا - عن وضع تصور لعلاقة حقيقية بيننا. و كنا نحلم - و مازلنا - بمستقبل لا يحمل مزيداً من العزلة و لا الانغلاق بين الطرفين. و كنا نبتكر - و مازلنا - حلولاً جديدة لأزمات قديمة لا نريدها أن تطول.

كانت الطريق صعبة، و المصارحة - أحياناً - مؤلمة؛ لكننا لا نرى لها بديلاً في سعينا نحو المصالحة. و ها هي فكرتنا ترى النورَ اليوم.

    إن كنتَ تقرأ هذه السطور، أو مثلها في مدونات أصحاب المبادرة، فأنت مدعو للمشاركة: مسلماً كنتَ أو مسيحياً في مسيرة المصالحة و المصارحة!

نقدُ النّقد: مؤتمر العَلمانيين الثاني -2

 
4- أوراقٌ جادة، و أحاديث المُسامَرة
 
    هناك فرقٌ واضح بين أحاديث الأصدقاء و أحاديث الندوات. يُدرك منظمو المؤتمر هذا الأمرَ جيّداً؛ و إلاّ ما الداعي لتباعد المؤتمر الثاني عن الأول بنحو خمسة اشهر؟ على هذا كان مُتوقَّعاً أن تعدَّ الأوراقُ إعداداً جيّداً، على مستوى المُحتوى - و هو ما كان حقيقياً في أغلب الأوراق - ، و أيضاً على مستوى التقديم.
    كانت الموضوعات حقّاً مهمّة و الأوراق جادة. على أن عيبَين برزا في بعض ما قُدِّم: أولهما هو غياب المرجعية، سواء في الورقة المكتوبة أو أثناء تقديمها. لا يمكن أن يؤخذ على محمل الجدّ  - مثلاً - مُتحدثٌ يقول بكل ثقة أن الدسقولية كتابٌ لا قيمة له. و مع أن نسبة الدسقولية للرسل الأثني عَشر مُنكرة تماماً بالمنطق و بالبحث معاً؛ لكن الكتابَ موّثقٌ و مؤصلٌ و مدروس! (راجع د. وليم سليمان قلادة و بحثه و ترجمته للدسقولية)
    كلامٌ مرسل بلا توثيق، و هو أيضاً كلام مثير؛ و هو أيضاً كلامٌ لا داعي له كما ذكرت سابقاً. عباراتٌ من الكتاب المقدس تُذكر بالتقريب و بلا مرجع، تأكيدات مبهمة على معلومات "مؤكدة" لدى المتحدث دون تأصيل. ليس هذا جوّاً أكاديمياً مثالياً!
    العيب الثاني كان في كتابة الأوراق. (لربما يبدو أمراً بسيطاً لكنه من الأهمية بمكان في سياق أوراقٍ بحثية جادة)؛ أخطاء الكتابة و الإملاء كانت بلا شك تحتاج مراجعةً. و باستثناء ورقة الدكتور عماد جاد، فإن الأوراق جميعها اشتملت على أخطاء لغوية و إملائية و خلت من ذكر أية مراجع.
 
5-  المنهجية، الفريضة الغائبة
 
    إن كان ثمة فريضة غائبة عن مجتمع المثقفين في مصر فهي المنهجية! و في هذا استكمال للنقطة السابقة؛ فإن كان الشكل الذي قدّمت به الأوراق قد شابته بعض العيوب، فإن العيب الأكبر هو في غياب المنهجية. لم يبدُ ان هناك موضوعاً يجمع المؤتمر باستثناء "الإصلاح". لم تكن الأوراق متناسقة بعضها مع بعض من حيث الموضوعات أو المنهج او أسلوب الطرح. ثمة حاجة ماسة للتميز بين أصحاب النوايا الحسنة و أصحاب الرؤى و الأكاديميين؛ يتبع هذا تميزٌ واضح بين الأوراق البحثية و المقالات و مشروعات القوانين و الخطوط العامة و الخواطر. و لإن كانت الكنيسة الرسمية قد سقطت في غياب المنهجية، فإن السعي نحو الإصلاح ليبدأ فعلياً في إطارٍ محدد و مدروس و منظم.
    على أي حال فإن السعي قد بدأ، و الطريق طويلةٌ؛ و بوسع العَلمانيون تقديمَ الكثير... فهل من جديد في المؤتمر الثالث؟
 
 

نقدُ النّقد : مؤتمر العَلمانيين الثاني - 1

    يتصاعَدُ الجَدَل حول المؤتمر الثاني للعَلمانيين منذُ إقامته و حتّى اللحظة. و باستثناء بعض المقالات، فإن النقاشَ لا يبدُ - بالنسبة لي - موضوعياً؛ كما أن بعضَ التعريفات تبدو مفقودة، أو مخفيةً قصداً أو جهلاً.
لم أحضر اليومَ الأول. لكن جدلاً لم يُثَر حوله مثل لاحقه. تابعتُ اليومَ الثاني و ما لحقه في اهتمامٍ؛ و قد اكتملت في ذهني بعضُ ملاحظاتٍ.


1- الكنيسة صامتة، و القافلة لا تسير

    تعامَلت الكنيسةُ - رسمياً - مع المؤتمر كأنه لم يكُن أصلاً. و بالرغم من أن الأوراقَ كانت متاحةً قبل انعقاد المؤتمر بفترة كافية، إلا أن تعليقاً واحداً لم يصدر عن الكنيسة حولَ مُحتوى هذه الأوراق. منذ أشهر، ظهر البابا شنودة على شاشة التليفزيون قائلاً: "إذا وصلتني شكوى من أحد فإنه من واجبي - دون الحاجة أن ينبهني أحدٌ - أن أُحقّق فيها". كان ساعتها مُدافعاً عن التحقيقي مع الأنبا كيرلس أسقف نجع حمّادي.
    فماذا عن أوراقٍ جادّة أُرسلت إليه قبل المؤتمر؟ و ماذا عن اقتراحاتٍ حقيقية للتطوير (دعنا من الإصلاح!) قدّمها خبراءٌ (كمشروع قانون المُحاكمات)؟ أليس من واجبه مُناقشتها؟ أو على الأقل التعامل معها بشيء من الجدّية؟
    اختارت الكنيسة موقفَ الصمت و التجاهل، و قد يبدو هذا منطقياً بينَ اعداءٍ. فهل اعتبرت الكنيسة منظمي المؤتمر أعداءً ينبغي تجاهلهم؟
    فإن صحّ افتراض العداء، فهل ساهم المُعارضون في صياغة الأمر على هذا الشكل؟ هل كانت نبرة الحوار أحياناً عالية بشكل قد يستفز الكنيسة و يفقد المعارضين مصداقيةً جماهيرية يحتاجون إليها؟


2- من نحن؟ نوايا حَسَنة بدون تعريفات

    من جانبهم، لم يقدّم "العلمانيون" تعريفاً محددّاً لهويتهم. فهم تحالفٌ غير متجانس من الأفكار، تجمعهم رؤيةٌ - تبدو حتى الآن غير مكتملة - للإصلاح. لكن الناظر من بعيد و المتابع لا يستطيع أن يتبين على وجه الدّقة في أي اتجاهٍ يسيرون. فما بين النّداء "بالعودة إلى الآباء"، و هو اتجاهٌ "أصولي" للإصلاح يعتبر الكنيسةَ واقعةً في أخطاء - بالأكثر تعليمية و لاهوتية - من جرّاء تجاهلها للتعليم الابائي المُستقيم؛ و بين النداء "بالتطوير و التحديث"، و هو اتجاهُ "حداثيٌّ" يرى الإصلاحَ تنظيمياً ممَثلاً في تأصيل المؤسسة؛ ثم نداءٌ عامٌ "بالثورة"، و هو اتجاه رافضٌ للمؤسسة التقليدية - الكنيسة بشكلها الحالي يرى الإصلاح في تعديلاتٍ أكثر من تنظيمية على مستوى الجذور. بين هذه التيّارات، لا يبدُ أن شيئاً يجمع سوى كلمة "الإصلاح".
    و بالرغم مما كُتب في مقدمة الأوراق بعنوان "من نحن"، فإن التوضيح في أذهان العامّة لم يزل مُلتبساً. و أظن أن الوصول لأهدافٍ حقيقية يقتضي تنظيمَ الصفوف بعض الشيء.
    إن تباين الرؤى لا شكّ أمرٌ صحيٌّ، لكنه - في رايي - يُفقد المجموعة كثيراً من مصداقيتها على المستوى الشعبي، و هو ما لابد أن تسعى لاكتساب تأييده حالياً. على الأقل يمكن التركيز على جانبٍ واحدٍ من "الإصلاح" و الحديث فيه. على المُعارضة أن تُدرك جيداً ماذا تريد؛ فما كان مقبولاً في المؤتمر الأول من حشدٍ للقُوى داخل معسكر واحدٍ لتجميع الأفكار Brain Storming لا حاجةَ لنا به الآن. بل الحاجة إلى تنظيم تلك الأفكار تبدو اليومَ أكثر إلحاحاً. و لربما أن الحاجة إلى "تصدير" هذه الأفكار الجادة شعبياً هي أيضاً أمرُ مهم.


3- "الميكروفون مع سيادتك"، أو كيف تتحدّث في كلّ شيء إن واتتك الفرصة

    استكمالاً لما سبق، و في ضوء غياب التعريف و الأهداف؛ سقطَ البعضُ في أخطاءٍ لم يكُن المؤتمر في حاجةٍ إليها. و ما أُثيرَ حولَ مفهوم الوحي في المسيحية بدا بعيداً عن غاية الإصلاح كبُعد اللغة الصينية عن الشعر الجاهلي!
    لم يكُن هناك داعياً أبداً أن يتحدّث عارض ورقة مشروع قانون المحاكمات الكنسية عن وجهة نظره في موضوع الوحي أو وضع المرأة في المسيحية؛ و لم يكُن هناك داعياً أن يوضح كمال زاخر مرتين خلال المؤتمر - و هو أكثر وعياً بمجريات الأمور - أن ما قيل لا يعبّر عن وجهة نظر المؤتمر. كان باستطاعة أصغر الحاضرين و أقلّهم ذكاءً أن يتوقع مانشيتات الصحف في اليوم التالي و أن يتوقع هجوما أكثر عُنفاً - و قد صار مُبررَاً شعبياً و موثّقاً - من قياداتٍ في عداء حقيقي مع جبهة العَلمانيين.
    كان يمكن توفير الجَدل، و مقالاتٍ كُتبت في الدفاع لو أن المتحدّثين تأملوا قليلاً فيما يريدون حقّاً من مؤتمرٍ كهذا.
    و لا أعرف لماذا ترك كمال زاخر القيادة! و أظن أنه الأقدر على التحدث و صياغة الأفكار، كما أنه يحوز قبولاً شعبياً من جرّاء كونه أقل المُعارضين "تصادمية" و أكثرهم مصداقية. و هو الأقدر على الوصول إلى القصد المنشود، بل أنه الأقدر - و معه هاني لبيب - على فتح حوار حقيقي جاد مع قادة الكنيسة. و أظن أن قنوات الاتصال لم تزَل مفتوحةً بعد.

(يُتبَع)



كِتاب

    هذا كتابٌ أدعوكً لقراءته، كاتبه هو الأب الدكتور كريستيان فان نسبن اليسوعي. رجلٌ قصى حياته من أجل الحوار، الحوار الحقيقي لا المُصطَنَع. ربما كما ذكَر شريف كان هو الوحيد المُخلص خلال جَلسة النِقاش. ربما! على أن هذا أيضاً يظلُّ علامةُ رجاءٍ، أن يكونَ هناك إنسانٌ مخلصٌ للحوار يحيا بيننا.
    تمّ ذكر المدونات كثيراً في اللقاء من خلال ما كُتب عن المؤلف فيها.
كان النقاش في معظمه خالياً من المِصداقية كما شعرتُ، لكنَ مع هذا كان حضور الأب كريستيان يشع رجاءً!
    الكتاب صدَرت ترجمته العربية عن المجلس الأعلى للثقافة منذ شهور، بعنوان " مسيحيون و مُسلمون؛ أخوة أمام الله"
الأب كريستيان
    يعرض المؤلف في الجزء الأول لخبرته الخاصة في العلاقة مع الإسلام. و يحكي عن ظروف مجيئه لمصر و اكتشافه للثقافة الإسلامية، و عن سنوات الجامعة و دراسته العليا عن الشيخ محمد عبده. في هذا الجزء يركّز على انطلاق رؤيته للحوار من خلال خبرته الشخصية و علاقته الخاصة بصديقه محمود رجب. شخصياً أجد هذا الجزء هو الأكثر إمتاعاً و مصداقية.
    في الجزء الثاني، يتحدّث المؤلف عن رؤيته للعلاقة بين المسيحيين و المسلمين. و هو لا يغرق في التفاؤل، و إن كنتُ أرى أنّ مسحةً من الواقعية تنقصه، و إن كانت المصداقية لا تنقصه. فهو يعيش ما يقول و يقول ما يعيش دون رياء. و هذا هو سرّ روعة الكتاب و تفرده.
    اللقاء في الله، و اللقاء في الصلاة؛ يجعل الكاتب الروحانية نقطةَ لقاءٍ بين المسيحيين و المسلمين. هناك تذوب الفوارق كما يرى، و يتغذى كلٌّ منهما بإيمان الآخر. أحد أفضل الفصول هو الفصل الخاص بالصلاة، حيث يعرض لتجربته لطرح أسئلةٍ عن الصلاة بين معارفه ثم الإجابات التي حصل عليها. يكتشف اقاريء غتى الخبرات الإنسانية بعيداً عن مسمّى الديانة.
    العدالة الاجتماعية كمساحة مشتركة للنضال. يعرج من بعيد على فكرة لاهوت التحرير و إن تناولها بشيء من السرعة. كان يمكن التركيز على هذا الجزء أكثر من ذلك.
    لا يخلُ الجزء الثاني من مساحاتٍ للنقد على الرغم من الانبهار الأولي به.طرحه للقضية الفلسطينية بدا أميل للرؤية الغربية - بحُكم تكوينه - عنها للمنظور القومي. و إن كان نقده لأسلمة القضية فيه كثيرٌ من الصحّة.
    تظل خلفية الكاتب الغربية تؤرق القاريء حتّى النهاية، و كاثوليكيته تبعده عن القاريء المُسلم أو القبطي. لكن إذا أمعنتَ قراءة الجزء الأول من الكتاب فإنك تستطيع تخطي هذه العقبة بسهولة و الغوص في خبرة المؤلف الغنية.
    أدعوكم لقراءة هذا الكتاب!

تأملات في الأزمة البندِكتية

كنتُ لتوّي مُنتهياً من عملي، حين شاهدتُ الخبرَ على "الجزيرة". بدا لي أن مشكلةً بالأفُق، و كان توقعي صحيحاً. فلقد تحرّكت الأمور في بضع ساعات، و بينما هي اليومَ في طريقها للهدوء من جديد؛ فإن هذا الهدوءَ يبدو هشّاً. كأن ناراً قد خمدت و لكنها تنتظر من يشعلها من جديد
من ثلاثة أيّام، قرأت محاضرةَ البابا - المشكلة - في نسختها الإنجليزية. في المُجمَل - و بعيداً عن مناطق الخطر - فقد أعجبني الموضوع و معظم المضمون. كانت تلك لتصيرَ محاضرةً مهمّة إن نُقل مضمونها و نوقش من المفكرين. على أنّ المحاضرة قد عرفت طريقاً أخرى للشهرة، طريقاً أسرع و أوسع انتشاراً!
ثم تلى الأزمة ردودُ أفعال، و عادةً ما تكون ردود الأفعال - و بالأخص في الشرق - أوسع انتشاراً من الأفعال الأصلية. كذا ظهرت معانٍ لمن يتابع الأمور بتأنٍّ و تأمل.
1
يعلم البابا جيداً ما يقول. و له لجانٌ تُراجع ما يصدر عنه. لذلك فإن الحديث عن كونها "مجرد" فقرة في محاضرة هو حُسن نيّة أو تبسيط لا معنى له. بالفعل البابا قال كلاماً يثير المُسلمين، و قد أثارهم. و في الغالب فإن اثَر كلامه كان يُمكن بسهولة توقّعه في ضوء أزمة الدنمارك القريبة.
هناك على النقيض تصعيد في طريقة نقل هذا الكلام. عرضه كخبرِ رئيس يالنشرة الأساسية للجزيرة، التكرار المستمر له، التحليل و العرض و السؤال و الإجابة كل دقيقة؛ ثم اختيار توقيت البث يومَ الخميس عصراً أي بعد يومين من المحاضرة - و عشيّة صلاة الجُمعة - كلها أمورٌ لا يمكن تفسيرها بالمصادفة و لا بحُسن النيّة

2
تتوالى رسائل البريد الألكتروني: "أسرار وراء كلام البابا عن الإسلام و نبيه" - "رد على مزاعم السفهاء" - "الإسلام جاء للعقلاء فقط" - قصيدة في هجاء بابا الفاتيكان"... إلى آخر هذه السلسلة التي لا تنتهي من ردود الأفعال الغاضبة، و التي هي - في الوقت نفسه - متحفزة للغاية و مهاجِمة لكل ما تحسبه آخرَ بلا تمييز و في مقامٍ أسمته دفاعاً.
فأنا لا أجد معنى لآن يبعث أحدٌ رسالةً للرد على عبارات محاضرة البابا يسخر فيها من عقائد المسيحيين أو ممارساتهم. و إذا ابتعدنا عن مجال الرسائل الألكترونية، فإن الهجوم على كنائس لا يحل المشكلة - كما حدث في غزة - و لا إعدام المسيحيين هو الرّد المناسب على محاضرة أكاديمية - كما حدث في إندونيسيا

3
الخطأ الذي وقع فيه الجميع - في الشرق - هو الوقوف في موقف الدّفاع. بسرعة توالت المقالات و المحاضرات عن "كيف لم ينتشر الإسلام بالسيف" و عن " ما هو إنساني في رسالة الإسلام" و ما يشبه. لذا فقد وُجّه الحديث عن الإسلام إلى الأدب الدفاعي فقط و كأن الإسلام - و المسلمون - ليسوا إلا متلقّين، دائماً صوتهم هو رد فعل لأزمة أو لاتهام؛ لكنهم ليسوا فاعلين ولا مبادرين."apologetic"
أما مسيحيو الشرق فقد سارعوا بغسل أيديهم من دم بابا الفاتيكان، و هم بهذا قد وقفوا في موقف دفاعيٍّ آخر - لكن أمام شركائهم في الوطن. و قد تصوروا أنهم بالتبعية متهمون و أنه يجب عليهم تبرئة أنفسهم بسرعة حتى لا يقع عليهم ضررٌ تصوروه واقعاً. و قد صاروا يهاجمون الفاتيكان في اتخاذه موقفاً مغايراً لما انتقدوه قديماً. ذلك أن وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني بخصوص علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية قد لاقت أيّما انتقاد من كنائس الشرق. وقتها أعلنوا تعليق الحوار مع الكاثوليك اعتراضاً على قولهم بإمكانية خلاص غير المسيخيين! اليوم قد انقلبت الآية، ففقد الفاتيكان مصداقيته لدى المسلمين، و استنكرت الكنائس الشرقية موقفاً "متشدداً" منه كانت قبل ذلك تعترض على عدم اتخاذه!
4
الحكومات العربيّة كانت أسرع من تصاعد الأزمة! هكذا استنكرت مصر ثم استدعت السفير، ثم أعلنت عدم كفاية الاعتذار الأول. طبعاً كعادة النظام، أسدٌ يلعب في هامشٍ مضمون. أما حينَ تقومَ حربُ في لبنان، فإن النظام لا يسمع بها إلا بعد يومين من قيامها، و يستنكرها بكلامِ هزيل لا يحسم موقفاً.
هي إذاً فرصة سعيدة للنظام كي يركب موجة الإسلام و حماية الدين، و هي أيضاً فرصة أسعد للمعارضين كي يزايدوا عليه في هذا (ما معنى استنكار "كفاية" لتصريحات البابا؟) . و بينما تقوم مظاهرة - مهمة جداً في رأيي - على هامش مؤتمر الحزب الوطني الرابع، فإن أحداً لا يستجيب، لأن الجميع بدا مشغولاً بمزايدات دينية تُرضي الجماهير و تسترضيهم، لكنّها في الواقع لا تخدم مصالحهم.
5
يعترض الجميع على استمرار "حوار الأديان"، و يعلن الأزهر تعليقه حتى إشعار آخر. و يتساءل المفكّرون عن جدواه و عن حقيقته، و كأنما كانوا يتصورون أن حوارَ الأديان يأمل إلى التقريب بين الأديان أو الوصول إلى إتفاق وَسَط بينهم .هل هُم بهذه السذاجة التي يبدونها حقّاً؟
هل لنا أن نستخدم كلمة تواصل بدلاً من الحوار؟ ربما التواصل يشرح أكثر ما المطلوب من الطرفين. أن نتواصل إنسانيّاً، أن يعرف أحدنا الآخر، أن نقلل من أولويتنا الدينية عند الحديث عن همومنا الوطنية المشتركة. هل يمكننا أن نصل سوياً - مسلمين و مسيحيين - إلى اليوم الذي يثيرنا فيه الفقر و الظلم و التخلف بمقدار ما تثيرنا عبارة في محاضرة أو صورة في جريدة؟ أقول "بنفس المقدار" و لا أطمع أن يكونَ أكثر!

دعوة

الحملة الشعبية من أجل التغيير (الحرية الآن)

ليكن المواطن المصري نصحي جرجس آخر ضحايا الطائفية والتعصب في مصر

دعوة للتظاهر

الخميس 20 ابريل الساعة الخامسة مساء

دوران شبرا – محطة مترو روض الفرج


لا للطائفية .. لا للتمييز الديني .. لا لاضطهاد المسيحيين
نعم للمساواة .. نعم لحرية الاعتقاد

قرف 2

1

تُخبرني والدتي بالأحداث.كانت هكذا البداية؛ حاولت كعادتي أن أكونَ متشككاً. "هذه الأخبار تحتاج لمصدر موثوق" هكذا قلت، " لدى الجماهير دائماً استعداد تلقائي لتصديق الأخبار المؤسفة خاصةً إذا كانت لديها خبرات سابقة اختلطت بدور الضحية في الضمير الجمعي"

الخبر قد تأكّد، و لا مجال الآن للفلسفة و لا التحليل... وحدُها الدماء كانت تتحدث في تلك اللحظة.

 

2

" فقال الّرب لقايين: أينَ هابيل أخوك؟ فقال لا أعلم، أحارسٌ أنا لأخي؟. فقال: ماذا فعلتَ؟صوتُ دمِ أخيكَ صارخٌ إليّ من الأرض"

(سفر التكوين - العهد القديم)

 

3

لا أستطيع أن أُخفي حزني. لكنني أيضاً لا أستطيع أن أحدد بوضوح سبباً له: هل هو حزنٌ على ما ظننتُه - أو رجوته - علاقة حقيقية بين المسلمين و المسيحيين في هذا البلد؛ أم هو حزنٌ طالما حاولت أن "أعقلنه" على أوضاع جماعةٍ أنتمي إليها و قد شاءت الأقدار أن تجعلها تحيا جنباً إلى جنبٍ مع جماعةٍ أخرى يؤرقها هذا التجاور؟

"الحلّ إيه؟ نسيبها و نمشي عشان يرتاحوا؟" هكذا سألت محدّثي على الهاتف... و كان للمصادفة مسلماً!

 

4

الشعور العميق الّذي اجتاحني هو عدم الأمان. هذه الأيام - ما يسميه المسيحيون - أسبوع الآلام - فيها تحلّ ذكرى آلام المسيح و موته. يذهب معظم المسيحيين للكنيسة خلال هذا الأسبوع، و يلاحظ دائماً ازدحام الكنائس أثناءه.

اليومَ، تصير زيارة الكنيسة مخاطرة. سيخاف المسيحيون، و سيزداد الأمن غباءً على غباءٍ. و سيتحول نشاطٌ إنسانيٌّ عادي إلى مشكلة. و ستفقد البقية الباقية من المسيحيين دعاة التعايش مصداقيتها لدى جماهير المسيحيين.

و الأخطر، سيزداد انعدام الثقة على الجانبين.

 

5

"هي طول عمرها كدة بس إحنا إللي مش شايفين" هكذا قال لي صديق مسيحي. يبدو أنه صادقٌ فيما يقول، و يبدو أن الأحلام الوردية لا تصنع واقعاً. و يبدو أن هذا الواقع بالذات - عدم التعايش - يستحيل تغييره.

هل عند أحد حلول بعيداً عن كلام المثقفين مع أنفسهم و محاوراتهم لذواتهم؟

 

6

"أنا من المؤمنين، ولكن ما أصعبَ الإيمان في أمةٍ تقرأ ألف ليلة الفارسية و لا تعرف شيئاً عن الحلاّج و ابن عربي. و تُفاخر بخرائب بعلبك الرومانية و لا تذكر كلمةً لأفرام السرياني أو ليوحنا الدمشقي"

(جبران خليل جبران)

قرف

Cain and Abel - by Marc Chagall

 إيه القرف ده؟؟؟؟

إحنا رايحين على فين؟

إيه فايدة أي كلام يتقال و الثقة مفقودة؟

إيه فايدة المبادرات و الكراهية مالية القلوب كلّها؟

" فَإِذا كُنتُم تَنهَشوُن و تأُكلون بعضُكم بعضاً، فانظروا لِئلا تُفنوا بعضُكم بعضاً"

(من الإنجيل) 

حاجة تقرف

*تحديث: تغطية من الحدث عند جار القمر 

أقباط الأزمات و أزمات الأقباط - 3

عرَضنا فيما سبَق بعض الأزمات التي وصفناها بأنها داخلية، اي تخص الكنيسة من الداخل بما يضعها بالتبعية في مقابل الأزمة الخارجية التي يتم دائماً التركيز عليها.
و خلال العرض، بدا أن ما وُصف بأزمة الأولويات يعني أن المطلوب هو البدأ بإصلاح الداخل قبل الخارج. و كان المعنى أن كلاهما ضروري، لذا لم أرى سبباً لتقديم أحدهما على الآخر . فالإصلاح يسير بجناحيه، واحدٌ على الكنيسة - و الأقباط - أن تقوم به، و الآخر عليها - و هم معها - ألاّ تكف عن المطالبة به.

بقى أن يكتمل عرض الأزمات بعرض سياقها الذي نشأت فيه، و ليس الهدف هو تبرير الأخطاء بقدر ما هو أمانة السرد و تفسير ما تم ذكره. بمعنى أن الأزمات لم تنشأ لسبب تأصل الشر في الأفراد، و لكن لوجودهم في سياق معين و ظرف تاريخي و مجتمعي يحيط بهم - مع أن هذا لا يعفي من المسئولية.

1- فن صناعة الفراعنة
لا يمكن مناقشة أزمة السلطة في الكنيسة في معزل عن أزمة السلطة في المجتمع المصري و مؤسساته و إلاّ صار هذا ظلماً بيّناً. كلنا نعلم كيف يخضع الشعب لقائده دون نقاش حتى ليكاد يؤلّهه بينما يكثر الشكوى منه في ذات الوقت.
و المقارنة بين السلطة الدينية و المدنية في مصر تكاد تكون متطابقة في هذا الوجه. أضف إلى ذلك "القداسة" التي تحيط برجل الدين في المسيحية، في مجتمع يميل للغيبيات و يصدقها بعد أن يصنعها.
كل هذا ساهم في تأصيل أزمة السلطة في الكنيسة القبطية.

2- الظلم التاريخي
لا ينكر قاريء لتاريخ مصر ما تعرضت له الكنيسة القبطية - و الأقباط - من ظلم تاريخي على مدى عصور عديدة. وهناك عصور اضطهاد كادت أن تودي بالكنيسة المصرية لولا تمسكها بما كانت عليه حتى الدم. هنا يجب أن نتوقف لنرى أثر هذا التاريخ العنيف على الشخصية القبطية في شتى نواحي الحياة. تنشأ من هنا أزمة اغتراب ما في ذلك شك، و ما يتبع الاغتراب من انعزال و انكفاء على الذات.
و في الأذهان أحداث الإسكندرية، و الجرح العميق الذي خلّفته بعد أن كاد حاجز مشاركة الأقباط في الحياة العامة أن ينكسر.

3- الضغط الإسلامي
تخاف الكنيسة على "قطيعها" من تأثير الغالبية الإسلامية، يُنشيء هذا كثيراً من التجمد و التمسك الزائد بتقاليد أقل أهمية من الجوهر.. ربما خوفاً من التنازل الذي يجر مزيداً من التنازل. ربما يصبح الأمر أكثر وضوحاُ إن تساءلنا عن وضع الكنيسة القبطية في بيئات غير إسلامية. في إفريقيا مثلاً - و قد رأيت - تكتسب الكنيسة القبطية حيوية مذهلة، و مرونة رائعة و تواصل حقيقي مع هموم الناس. و تتعاون مع كل العناصر الفاعلة في المجتمع بحرية و ثقة من أجل خدمة الإنسان. و كذا الوضع في أوروبا أيضاً، مما يشير إلى دور مهم لوجود الكنيسة في مجتمع إسلامي تخشى منه و من تأثيره عليها.

4- تاريخ ثقيل
للكنيسة القبطية موروث تاريخي ضخم، من أمجاد و انكسارات. لذل فهي تقف على أرضية تراثية تقليدية صبة. و لكن الجذور أحيناً لا تكون غذاءً بل قيداً!
و قد ذكر مثل هذا الأستاذ جمال البنّا في حديثه عن التراكمات التي تلت الوحي في الإسلام، فهي - كما قال - جبل عظيم مهيب، و لكنه قد يحجب الشمس.
ربما يفيد هنا ذكر مثال الكنيسة الكاثوليكية، و قد استطاعت بحنكة أن توازن بين الجذور و الحداثة في المجمع الفاتيكاني الثاني، بادئةً مرحلة جديدة من التاريخ الكنسي دون أن تفقد جذورها التاريخية.
طبعاً يرتبط هذا بالنقطة السابقة، فالتحديث لا يمكن في وجود "تهديد"، بل مزيد من التمسك بالجذور خوفاً من فقدان الأصول.

5- غياب التنظيم
تغيرت لغة الكنيسة القبطية مرتان، و عُزل الباباوات كثيراً، و مرّت عليها من العصور أقساها، لذا قلّ في تاريخها الاستقرار . و الاستقرار مناخ التنظيم و التأصيل - فالكنيسة القبطية لم يكن أبداً لديها كتاب "كاتشيز" أو تعليم موثق كما لدى الكاثوليك مثلاً، و لا لائحة للرهبان (باستثناء قوانين باسيليوس في القرن الرابع - و هو من الكبادوك)، و نظام لانتخاب البابا، فهي أبداً لم تكن مستقرة بما يكفي كي تفعل - و إن كان استقرارها في العصر الحديث يتيح لها هذا، و قد بدأ بالفعل.

هذه بعض المحاولات للفهم، و لا أدّعي أنها تشمل كل جوانب المشكلة. مجرد وجهة نظر عن أقباط الأزمات و أزماتهم

معاً أمام الله




دعوة للصوم، معاً أمام الله...

لنصُم جميعاً - مسلمين و مسيحيين - يوم الآثنين القادم 31/10/2005 من الفجر و حتى غروب الشمس،
و ليكن صومنا المشترك تقدمةً أمام الله من أجل وطننا
عملاً روحياً يجمعنا نقابل به أعمال الكراهية و التفرقة
و لنكسر صومنا معاً، يبحث المسلم عن مسيحي يفطر معه و يفعل المسيحي كذلك

هيا نقف معاً أمام الله من أجل الوطن!

م

مرارة

"هذا اليوم يوم شدّة و تأديب و إهانة
لأن الأجنّةَ دنَت إلى المولد و لا قوة على الولادة"
(سفر إشعياء - العهد القديم)

إلى الوطن - الذي كان عزيزاً
جرحناك
و لم يكفِنا
فقتلناك
و لا عزاء
للحالمين و الثوّار
و الشعراء!
فلا تغفر ذنوبنا
لأننا لا نفغر
لمن أساء
...
إلى الوطن - الذي كان غالياً
لقد بعناك
و لم يكفِنا
فقسّمناك
و جعلنا قطعَك الكريمة
بضائعَ
للشياطين و المجانين
و الأعداء!
فلا تغفر صفقاتَنا
لأننا لا نعرف - بعدَ البيع-
سوى الشراء
...
و يا أيها الوطن الجريح،
لا نستحق أن نكون
بنيناً لك
فلا تغفر أبداً لنا
قسوتنا و جهلَنا
و لا تُسامح و لا تُصالح
الأغبياء!
...
"الويلُ لأُمةٍ كثرت فيها طوائفها و قلَّ فيها الدين"
(جبران خليل جبران)

أقباط الأزمات و أزمات الأقباط - 2

نبقى مع بعض الأزمات الداخلية للأقباط

4- أزمة الأولويات

ماذا يريد الأقباط؟ هل يريدون حقوق المواطَنة الكاملة مثلما يردد "أقباط الأزمات" دائماً و ليذهب الوطن إلى الجحيم بعد ذلك؟ هل هم بالفعل لا يرون من مشاكل في مصر سوى عدم المساواة في بناء دور العبادة أو تولي المناصب العليا؟
أرى مشكلة في ترتيب الأولويات هنا، فأزمات مصر أكبر و تستدعي تحركاً جماعياً على مستوى شعبي واحد يشارك فيه الأقباط بكونهم مواطنين.
بمعنى أن مشكلة عدم جودة الخدمة التعليمية و انهيار مستوى الخدمة الطبية للفقراء مثلاً تقلقني - كمصري و كمسيحي- أكثر من مشكلة إغلاق كنيسة أو عدم السماح ببنائها من الأصل.
ناهيك عن المشكلة السياسية و الفساد المالي و الإداري، إلى آخر مشكلات الوطن التي لا تنتهي. فإذا تحدث الأقباط بعد ذلك عن ما يسمونه مشاكل، فهل يصدق أحد؟
أظن أن الكنيسة و الأقباط بحاجة إلى إعادة ترتيب أولويات مطالبهم إن كانوا ينوون لعب دور مؤثر في المجتمع المصري


5- أزمة التراث

التراث المسيحي في مصر جبل ضخم يقف خلف الكنيسة القبطية. و لا شك أنه تراث فريدُ و عظيم، و لا شك أيضاً أنه - مثل أي تراث - يحتاج من يعيد النظر إليه و يقيّمه و يضعه قي سياقه الطبيعي.
و لا حاجة لنا هنا لترديد نماذج مما يتعلمه الأطفال في الكنيسة و من الغيبيات التي أقامت امبراطوريات من الثروة في كنائس لم يكن أحد يسمع عنها.
و قد سمعت بنفسي أحد القيادات، و قد عُرض عليه كتابٌ يحوي من الغيبيات و المعجزات ما يتنافى بصراحة مع الإيمان المسيحي، و قد علّق قائلاً "خليهم ياكلوا عيش!"
من مصلحة من أن تبقى الجماهير تحت نير الخرافات و الغيبيات؟ بالرغم من أن معظم القيادات الكنسية اليوم من بين أوساط الجامعيين و المثقفين.
بالتأكيد الكنيسة بحاجة للنظر من جديد إلى تراثها- الذي هو غنيٌ و مقيِّد معاً - حتى تستطيع التحرر من قيود كثيرة و بهذا تسعى لتحرير المجتمع من قيوده

6- أزمة الثروة

من أين تأتي أموال الكنيسة؟ من تبرعات الأقباط و الزوّار. و إلى أين تذهب؟ صمتٌ و لا إجابة!
مفروض أن تذهب لمشاريع البناء و الصرف على الفقراء الذين تعولهم الكنائس. لكن غياب توزيع جيد للثروة و إشراف على توزيعها أدى إلى أوضاع مضحكة و مبكية معاً.
حينما كنت في الصعيد منذ عامين، زرت قرية في غاية الفقر. حتى أن الناس لم يكن لديهم مكان لقضاء حاجتهم، و بينما الدير الذي هو في قلب القري مفروشةٌ أرضيته بالرخام النقي. و الأضحك أنهم كانوا في الدير يطلبون تبرعات لاستكمال البناء!! أية مسيحية هذه التي تحرسها أسوار الدير و تغلق أحشاءها عن الفقراء من كافة الأديان؟
و طبعاً لا مجال لتكرار الكلام عن السيارات الفارهة و المقرات الفخمة التي يسكن فيها القيادات، و لا عن أموال كنائس المهجر التي لا يعلم أحد أين تذهب بينما كنائس في إفريقيا لا تجد ما تقوت به كهنتها و العاملين فيها.
و في رأيي أن شيئاً من المركزية في توزيع الأموال مع إشراف نزيه عليها يضمن إلى حدٍّ ما عدالة في التوزيع حتى بين الأماكن المختلفة داخل أنحاء الكنيسة

يُتبع
Syndicate content