سفر

على جبل نبو...

 

وَارتَقَى مُوسَى جَبَلَ نَبُو إِلَى قِمَّةِ الْفِسحَةِ مِنْ سُهُولِ مُوآبَ الْمُقَابِلَةِ لأَرِيحَا، فَأَرَاهُ الرَّبُّ جَمِيعَ الأَرضِ مِنْ جِلْعَادَ إِلَى دَانٍ،

وَأَيضاً أَرَاضِي نَفْتَالِي وَأَفْرَايِمَ وَمَنَسَّى وَسَائِرَ أَرضِ يَهُوذَا الْمُمْتَدَّةِ إِلَى الْبَحْرِ الأَبْيَضِ الْمُتَوَسِّطِ غَرباً.

وَكَذَلِكَ النَّقَبَ فِي الْجَنُوبِ، وَوَادِي نَهْرِ الأُردُنِّ، وَأَرِيحَا مَدِينَةَ النَّخِيلِ حَتَّى صُوغَرَ.

وَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «هَذِهِ هِيَ الأَرْضُ الَّتِي أَقْسَمْتُ لإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحقَ وَيَعقُوبَ أَنَّنِي سَأَهَبُهَا لِذُرِّيَّتِهِمْ. قَدْ جَعَلْتُكَ تَرَاهَا بِعَيْنَيكَ وَلَكِنَّكَ إِلَيْهَا لَنْ تَعبُرَ»

[سفر التثنية - العهد القديم]

مغامرة - أو كيفَ وجدتُ حقيبتي في ماريبور؟

1
فوقَ جبال الألب، تطير بي طائرة مُتناهية الصغر. لها مروحتان كبيرتان، تشبه كثيراً الطائرات التي تراها في أفلام الحرب العالمية الثانية تطير على خلفية ثدركُ جيّداً أنّها كارتونية. كنا عشرة ركّاب و معنا قائد الطائرة و المضيفة.
أنا في طريقي إلى زغرب لحضور لقاء برفقة صديق.
أستمع إلى صوت الكابتن: نظراً لسوء الأحوال الجوّية، سنتأخر قليلاً في الهبوط! لا داعي للقلق، كل شيء سيكون على ما يُرام.
تهتز الطائرة الصغيرة بعُنف، و أغفو رغماً عنّي من جراء عدم النوم لثلاثة أيام متصلة. أشاهد خيالاتٍ تتعلق بكيفية استخدام قناع الأكسجين و سترة النجاة. "أخ! لماذا دائماً لا أصغي لتعليمات ماقبل الإقلاع؟! دائماً ما أنشغل بقراءة جريدة أو بمضغ لبانة خوفاً على أذني أو بالحديث مع جاري... إذا قدّر لي أن أنجو هذه المرّة، سأستمع جيداً للشرح الذي طالما اعتبرته مملاً!"
أستيقظ لأجد المضيفةَ أمامي ، و المنظر من النافذة لم يتغير: جبالٌ و ثلجٌ كثيفٌ و ضباب. على أن عقارب الساعة قد سارت، و بدا أن ساعتين قد مضتا منذ الإنذار الأول.
يا إلهي! ساعتان و أنا معلّقٌ في الجوّ في طائرة غريبة فوق بلادٍ غريبة وسط أناسٍ لا أعرفهم. يجيء إلى أذني صوت الكابتن من جديد، يبدو هذه المرّة أكثر اضطراباً عن الأول، : لا يمكننا الهبوط في زغرب، و قد نفد الوقود. سنقوم بالهبوط في ماريبور في ظرف دقائق. درجة الحرارة درجتان تحت الصفر و الساعة الآن الثانية عصراً.
أسأل المُضيفة: "أين تقع ماريبور؟" تجيبني بسرعة: "لا أعرف!"
حقّاً، من أين لتلك الفتاة الإيطالية الريفية أن تعرف ماريبور، و هي على ما يبدو قد أصابها الذعر أكثر من جميعنا!
تستدير الجالسة أمامي و تجيبني: "إنها في سلوفينيا!" قالتها بحماس يحمل شيئاً من العتاب اختلط بلكنة شرقية فهمتُ منها أنها من سلوفينيا.
بدا سؤال " و أين تقع سلوفينيا؟" منطقياً، لكنني سرعان ما تذكرت رواية "فيرونيكا تقرر أن تموت" حين قررت الفتاة الانتحار لأن أحداً من الأمريكيين لم يعرف أين تقع سلوفينيا - وطنها الحبيب على الخريطة.
 
2
بعد دقائق، تهبط الطائرة. أتوجه قبل نزولي للكابتن.
"- أنت عائدٌ إلى ميلانو؟ هل يمكنك أن تعيدني معك؟
- لا توجد مشكلة! ماذا عن حقيبتك؟
- لقد فقدتها منذ ثلاثة أيّام، و أنا بدونها على أي حال. الآن لا أفكّر سوى في العودة إلى بلدي، مصر
- لا تقلق، سأنتظر هنا حتّى يتحسّن الجو و أملأ وقوداً."
تبدو هذه البلدة خارج التاريخ للوهلة الأولى. المطار عُبارة عن مبنى صغير أمامه طائرتان مروحيتان و طائرتنا. لا بد أن أعبر على الشرطة. حسناً، سأخبرهم باتفاقي مع الكابتن و أعود من حيث أتيت.
تستوقفني شرطية يبدو أنها لا تتحدث الإنجليزية، تتناول جواز سفري في دهشة:
"Egypt? what... Egypt?"
لا أفهم السؤال كما يبدو أنها لا تنتظر إجابة. لقد هرعت إلى زميلها - الذي يبدو أنه يكبرها سنّاً و مقاماً - و يبدو أنها تستفسر منه عن وضع هذا البلد الغريب (الذي يصدر جوازات سفر في حجم ثلاثة من الجوازات المعتادة بالنسبة لها) من جهة إمكانية دخول مواطنيه إلى بلدها: فضلاً عن التأكد من وجوده أصلاً!
يلتفت إليّ شابٌ من الرّكاب، و يحدثني بإنجليزية مكسرة:
"- هل أنت عربي؟
- أنا من مصر
- و نحن من البوسنة. لا تقلق كل شيء سيكون على ما يرام"
بدت العائلة البوسنية فقيرة جداً، كانوا هم أملي الوحيد في التواصل؛ فقد تأكدت أنهم الوحيدون الذين يتحدثون قدراً من الإنجليزية في نطاق تواجدي.
أتوجه إلى الشرطة محاولاً الحديث عن رغبتي في العودة من حيث أتيت. لكن الشرطي يشير إليّ في ودٍّ أن أنتظر. يخبرني الرفيق البوسني أنهم يتصلون بالخارجية يسألونهم عن مصر و وضع مواطنيها من جهة دخول سلوفينيا.
لا مفر إذاً! سأركب الأتوبيس مع بقية الركاب في اتجاه زغرب.
كانت هذه رحلة ثقيلة جداً، فأنا لا أعرف كم ستمتد بي، و لا أستطيع الحديث مع أحد من الركاب. و قد اعطت الشرطية جواز سفري للسائق الذي سلّمه لي على مشارف زغرب.
المفاجأة أنني قد وجدت حقيبتي المفقودة في مطار ماريبور المهجور، فأخذتها معي في الأتوبيس. امّا كيفَ وصلت إلى هناك، فهو سرٌّ لا زلتُ أجهله!
 
3
كيفَ وصلت إلى هذه الرحلة؟
لقد تأجلت رحلتي من ميلانو إلى زغرب ثلاثَ مراتٍ. قضيتُ ليلتين طويلتين بالمطار بلا حقائبَ و لا طعام.
في الليلة الأولى، و قد أعلنت الشركة عن تأجيل بعض الرحلات نتيجة لعاصفة ثلجية؛ اصطف المسافرون أمام مكتب الشركة داخل مطار ميلانو يحتجّون. على أن راكَبين فقط كان لهما الصوت الأعلى: سيدة أمريكية شقراء يصاحبها زوجها فارع الطول. و قد بدا الرجل مستهزئاً بالشركة و بموظفيها الجالسَين أمامه.
"- لن يستمعوا إلينا يا عزيزتي، إنهم مشغولون بشُرب القهوة الإيطالية!"
هكذا تحدّث بصوت مرتفع قاصداً استفزاز الموظفين. و قد حدث هذا بالفعل، فقد قام الموظف ناحية الشباك و أغلقه ثم اختفى لنصف ساعة!
لكن السيد الأمريكية بدت أكثر عملية لقد انسحبت بضعة دقائق عادت بعدها تحمل كتيّباً صغيرا باللغة الإيطالية و قد طلبت من أحد المسافرين أن يترجم لها ما فيه
"- قل لي علامَ ينص هذا القانون؟
- هذا قانون الطيران المدني الإيطالي يا سيدتي، هذا النص به ما يجب على شركة الطيران القيام به في حالة إلغاء رحلتها
- حسناً هذا هو الوضع بالضبط. من فضلك ترجم هذه الفقرة
- (يجب على الشركة توفير مكان للمسافر على الرحلة التالية، أو مكان للمبيت إذا تعذر السفر خلال 12 ساعة. من حق الراكب وجبة طعام و مكالمتان دوليتان على حساب الشركة و تعويض إذا فُقدت حقائبه)
- حسناً، نريد هذا الآن!" صاح الأمريكي و قد شعر بزهو الانتصار
تبع الزوجين باقي الركاب - و هم في الغالب من دول أوروبا الشرقية أو الاتحاد السوفيتي السابق - في المطالبة بحقوقهم.
مالبثت أن ظهرت مضيفة إيطالية أنيقة صائحة: هنا الركّاب الذين يحملون تأشيرة لدخول إيطاليا، تفضلوا معي.
لم يذهب سوى الأمريكيين، بقينا نحن - الذين لا يملكون تأشيرة - نراقب موكبهما بصحبة المضيفة الأنيقة في اتجاه الخروج من المطار.
- ماذا عن باقي الرّكّاب؟ صاح واحدٌ بإنجليزية شرقية حادة
- آسف يا سيدي ، أجاب الموظف و قد فتح شباكه من جديد، عليكم الانتظار بالمطار حتى موعد الرحلة القادمة
- متى؟
- التاسعة صباحاً
- أريد أن آكل! صحت من آخر الطابور
- سنعطيكم "كوبونات" للأكل، رد الموظف بروتينية، لكن يبدو أنكم ستنتظرون للصباح؛ فقد أغلقت جميع كافيتريات المطار!
كانت الساعة قد تعدّت الواحدة صباحاً. فبحثتُ عن ركنٍ هاديء -و اقلّ برودة - وأخرجتُ جريدتي المصرية من حقيبتي، و كوفيتي و غطاء الرأس. و جلست وحدي أنتظر مرور الليل الثقيل الطويل.
هكذا قضيتُ ليلتي الأولى في مطار ميلانو...
 
4
تأجلت رحلة الصباح من جديد. و تعيّن أن أنتظر رحلة المساء. لحُسن الحظ كان معي كتابٌ جيّدٌ عن ليوناردو دافينشي، كنت قد دسسته في حقيبتي الصغيرة في آخر وقت قبل مغادرتي المنزل. آه! المنزل، كنتُ أتخيل رُكناً دافئاً و مشروباً ساخناً بصحبة أهلي فأبتسم في تمنِّ!
على أي حالٍ، اشتريت قهوةً ساخنةً من أول من وصلن من عاملات الكافيتريا، و فتحت كتابي و جلست منتظراً.
بينما أتهيّأ للمطالبة بغذائي، أسمع اسمي يُنادى به في مذياع المطار. عليّ أن اتوجه لتوّي لمكتب الشرطة. هل عثروا على حقيبتي مثلاً؟ ام ارتكبت مخالفةً؟
ذهبت لمكتب الشرطة و قدّمتُ نفسي إلى القائد.
" لا تقلق يا سيدي، لقد قامت الشرطة بحجز مقغد لك على الطائرة المتجهة إلى زغرب مساء اليوم"
هكذا خاطبني الشرطي بأدب، خفت أن أسأل عن سر الاستدعاء المفجيء لعلّي أفسد المصادفة السعيدة
"- شكراً جزيلاً
- لدينا أيضاً تعليمات بإعطائك تأشيرة دخول مؤقتة إلى إيطاليا. هل تحب أن تزورَ ميلانو؟
- طبعاً، أجبته في حماس و دهشة (و قد خفت من جديد أن أسأله عن سبب هذه الحفاوة)
- حسناً ها هي التأشيرة، لكن تذكّر أن الطائرة تقلع في التاسعة مساءً
- لا تقلق، أظن أن "العليّة" قريبة من هنا
- نصف ساعة بالقطار، أجابني و قد اندهش أني قلتها بالإيطالية، رحلة سعيدة!
 
5
"العليّة" هكذا أطلق الرهبان البنديكتيون على قاعة الطعام الجديدة في دير "القديسة مريم ذات النعمة" حيث كلّفوا ليوناردو دافنشي - المهاجر إلى ميلانو حديثاً - برسم جدارية ضخمة تمثل تأسيس سر التناول.
لكن ليوناردو اشترط أن يختارَ هو المشهد الذي سيرسمه، فلم يرسم الإفخارستيا - كما طلب الرهبان - لكنه رسم العشاء الفصحي الأخير للمسيح مح تلاميذه.
استعان ليوناردو بوجوه رهبان الدير في رسم الحواريين، و يُقال أنه قد رسم وجهَه بينهم في موضع "تدّاوس الرسول" الثاني من اليمين.
لم يثر جدلٌ على لوحة بقدر ما ثار حول العشاء الأخير ، منذ انتهاء ليوناردو منهاعام 1498 (بعد أربعة أعوام من تكليفه برسمها) و حتى صدور رواية دان براون الجدلية "شفرة دافينشي".
ها أنا الآن أمام الجدار العملاق، دون أي ترتيب مُسبق، و معي كتاب عن اللوحة و راسمها!
 
6
أعود مسرعاً إلى المطار أملاً في اللحاق برحلة المساء. لكن الرحلة تتأجل من جديد في الواحدة صباحاً.
كنت قد سلّمت تأشيرتي لدى دخولي المطار، و تعيّن أن اقضي ليلتي الثانية كما قضيتُ الأولى. لم أكن قد أكلت منذ يومين، فقد فضّلت أن أدّخر نقودي في ميلانو حتّى أشتري تذكرة القطار و الدخول إلى "العليّة" آملاً أن أتناول العشاء في وجهتي الأخيرة.
جلست في ركني الذي أصبح معتاداً، لكنني كنت أبكي بشدة، و قد بدا لي أنني صرتُ محبوساً للأبد في هذا المطار البارد الكئيب. أخرجت كتابي و كوفيتي كما فعلت سابقاً و عقدتُ العزمَ أن اعود للقاهرة في أقرب طائرة صباحاً.
على أنني لم أقاوم الإغراء عندما أُعلن عن استئناف الرحلات الجوية في الصباح. فركبت الطائرة متناهية الصغر، و إذا بي فوق جبال الألب...

يوميّات أفريقية - 4

 1

في الجريدة اليومَ خبران يلفتان انتباهي. أولهما عن امرأة "نبيّة" تعالج مرضى الإيدز بالصلاة، تأخذ مقابل صلاتها و الشفاء 40.000 شلن كيني (أي ما يقارب 600 دولار أمريكي). كان الخبر عن استنكار رجال الدين – مسيحيين و مسلمين و يهوداً -  لما تفعله. بعد يومين تمّ القبض على السيّدة و التحقيق معها. على أنها قد أُفرج عنها بعد أسبوع إذ قد تبيّن – كما أذاع البيانُ الرسمي – أنه لا يوجد قانون في كينيا يمنع أن يصيرَ الشخصُ نبياً، كما أنها أثبتت أن الأموال التي تلقتها كانت هدايا و تبرعات عقب أن قامت بشفاء بعض الناس.

الخبر الثاني كان عن أسقف من الكنيسة الإنجليزية ينفي نفياً قاطعاً تأييدَه للشذوذ الجنسي، و يؤكد أن وجوده في كينيا هو لخدمة الناس و ليس لدعم قضية الشذوذ (!)

 

2

اليومَ أول مرة يُجرَّم فيها التدخين في الأماكن العامة. أستغرب من النقاش الدائر بين الناس في الأتوبيس – أنا اليوم في طريق طويل إلى كيسومو بقرب بحيرة فيكتوريا الرائعة – و في الصحف.

يلفت انتباهي نسبة الأخبار المتعلقة بالدين في الصحيفة في مقابل ما يتعلق بالحكومة مثلاً أو بالسياسة العالمية.

في باب رسائل القرّاء رسالة غاضبة يهاجم كاتبها مصرَ بشدة. السبب؟ تحكّم مصر و السودان في مياه النيل بطريقة تتجاهل دول المنبع. يذكر الكاتب أن دول شرق أفريقيا لا تستطيع التصرف في مياه النيل و لا توجيهها (ببناء سدود مثلاً) دون موافقة مصر و السودان. و الكاتب غاضب لأنه يرى أن هذا مظهر للتحكم الإنجليزي في دول شرق أفريقيا لأن الاتفاقية قد وُقعت عام 1929 بينما كل الدول المعنية تحت التاج البريطاني. اليومَ – في رأيه – ترث مصر التحكم الاستعماري الانجليزي في مياه النيل.

 

3

أتحدث مع رفيقي الذي يجاورني المقعد في الأتوبيس عن هذا المنطق، و كيف أن أي عبث بالنيل من منبعه قد يجعل مصرَ تعاني بشدة. لا يتصور أن هناك بلاداً تخلو من المطر... "إذاً فأنتم تشربون مياه النيل فقط؟" هكذا سألني في تعجب.

افهم تماماً سرَّ تعجبه بعد أن وصلتُ لوجهتي! لا تخلُ ليلة من المطر هنا، و المطر ثقيل لا يمكن بأي حال السير خلاله. كذلك تنقطع الكهرباء بسقوط المطر، و تعوّضنا السماء بلمعان البرق الذي يراه البعضُ مخيفاً و اراه ساحراً.

نحن بجانب بحيرة فيكتوريا – منبع النيل و ثاني أكبر المسطحات المائية العذبة في العالم – لكن الأهالي يعتمدون على المطر في الشرب و الغسيل.

صحيح، كيف يمكن أن تخلو بلادٌ من المطر؟

 

4

أمر خلال الرحلة على الأخدود الأفريقي العظيم و على جبل كينيا – ثاني أعلى جبال أفريقيا بعد الكاليمنجارو – و الذي تسمّت كينيا على اسمه. (لما جاء جومو كينياتا للحكم، و هو أول وطني يحكم بعد الاحتلال البريطاني، التبست التسمية على الناس و ظن البعض أن كينياتا هو مصدر اسم البلاد. و الواقع أنه كان تشابه عجيب في الأسماء، فالبلد يحمل اسم كينيا من قبل كينياتا بل من قبل مجيء الأنجليز).

التسميّات مدهشة بالنسبة لي؛ مثلاً كيف أسمى "مكتشف" البحيرة ما حسبه منبع النيل باسم ملكة بريطانيا... كأن البحيرة وُجدت لأنه رآها و ليس العكس.

  قصة "اكتشاف" جبل كينيا عجيبة أيضاً، فقد رآه أحد المرسَلين الغربيين عام 1849لكن أحداً لم يصدّق ما حكاه عن الثلوج فوق قمة جبل يقع على خط الاستواء و احتاج الأمر ثلاثينَ عاماً حتى يصدق الغرب أن الجبل موجود! بعد أن "اكتشفه" من جدي جوزيف طومسون الأسكتلندي الأصل.

هذا الجبل نفسه كان بركاناً منذ أكثر من نصف مليون عام، ربما لذلك قدّسته القبائل الساكنة حوله، حتى أن الكيكويو - حتى اليوم - يعتقدون أن "نجاي و هو الإله الأكبر يسكن فيه."

أتوقف في ناكورو – و بها بحيرة كبيرة – و أشتري غذاءً. قليلاً قليلاً أبتعد عن المدنية كلما أبتعد عن نيروبي. يبدو المكان ريفياً و بسيطاً.

 

6

طريقة تقديم الطعام غريبة بعض الشيء في أماكن الشرب (pub). إنهم يعلقون دائماً لحماً نيئاً كي يختار الآكل منه القطعة التي يريد. يتم تسويتها على نار الشواء في دقائق قليلة جداً – بحيث تكون شبه نيئة!-  ثم تقطع على المائدة أمام طالبها كي يأكلها مع كوب من البيرة المثلجة.

أما الطعام الأكثر انتشاراً في الريف فهو "الأوجالي" الذي ليس إلا دقيق ذرة مذابٌ في ماء ساخن يجعله شبيهاً بالعجين. و هذه هي الوجبة المفضلة عند الفلاحين، و عندي أثناء تواجدي هناك!

أظن أنها وجبة مثالية، فهي رخيصة، مغذية، مُشبعة في لحظات، و لا يستغرق أعدادها وقتاً، كما أن طعمها مقبول...

يوميات أفريقيّة - 3

 1

أمرٌ غريب أن تكونَ الطّبيعة هنا هكذا غنية و جميلة بينما البشر هكذا فقراء!

اليوم جاءت لي فتاةٌ في الثالثة و العشرين تشكو من تورم غدد رقبتها الليمفاوية. حين قمتُ بعمل اختبارٍ لها تبيّن إصابتها بالإيدز.

أخبرها فتستقبل الخبر كأنما كانت تنظره، بدون اكتراث... افكّر أنني أنقل إليها حكمَ الموت النافذ بلا رجعة. أطرد الفكرة بسرعة.

لا تستطيع دفع تكلفة اختبار الدرن، ترحل و تعدني أن تعود الأسبوع المقبل حين يصير مجانياً.

 

2

حين أتقابل وجهاً لوجه مع ضعف الإنسان و عمق ألمه، فإن ذات الألم ينتقل إلى أعماقي.

هنا في أفريقيا السوداء، حيث يعيش الناس على هامش العالم؛ في تلك الغرفة المظلمة المنسية من بين جميع الغرف.

أتساءل عن طموح تلك الفتاة و عن أحلامها... عمّا ينتظرها من زمن قليل تحياه، عن أطفالها (كان لها اثنان و ليس لها زوج)، عن عائلتها، و عن مستقبلها!

لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن للبشر أن يخلصوا – أيّاً كان دينهم – بينما أفريقيا ما تزال هنا على خارطة العالم كما هي بلا تغيير؟

كيف ندّعي أننا نحيا إنسانيتنا بينما قارة بأكملها ترتجف من برد الفقر و الأمراض؟

 

3

من كل خمسة يموتون في كينيا، يتسبب الإيدز في موت أربعة. في عام 2003 مات 2.1 مليون شخص بسبب الإيدز، و عام 2005 مات 2.4 مليوناً.

و بينما تعدّ منظمة الصحة العالمية أيَّ مرضٍ ينتشر بمعدّل 1% أو أكثر وباءً، فإن الإيدز ينتشر في دول شرق و وسط أفريقيا بمعدل 7.3%. أي ما يتعدى مرحلة الوباء بكثير.

بمرور عام 2020 سيموت 55 مليون شخص في أفريقيا بسبب الإيدز.

 

4

الليلة - و قد انقطعت الكهرباء -  أقرأ كتاباً عن القبائل الأفريقية. هناك أكثر من 40 قبيلة في كينيا وحدها، أكبرهم الكيكويو و أشهرهم الماساي.

قبيلة "اللويا" – وهي الغالبية حيث أسكن – لديه طقوس غريبة جداً ساعدت على انتشار الإيدز بسرعة بينهم. هناك ما يعرف بـ"توريث المرأة" ( غير توريث الحكم!)، حيث تورَّث المرأة لأقرب أقرباء الرجل عند وفاته‘ غالباً للأخ.

أما حال زواج الابنة، إذا كانت الأم ارملة، فإنها لا بد أن تقضي ليلة الزفاف بصحبة أحد أقرباء العريس؛ يسمّى هذا "طقس البدايات".

(يُتبع)


 

يوميّات أفريقية - 2

 

" و إنك لتستيقظ هناك في الصباح، و تقول: هذا هو المكان الذي كان لابد أن أكون فيه!"

                                                                   (كارين بليكسن – الخروج من أفريقيا)

 

1

كانجيمي – عشوائيات نيروبي \ منتصف النهار

 

حين أصل إلى AJAN  حيث سأمكث لا أصدق عيناي. لقد سمعت من قبل عن العشوائيات أو المدن الصفيح التي تحيط بنيروبي. على أنني لم أكن أبداً أتصور أنني سأقيم في واحدة.

كانجيمي، هي ثاني اكبر مدن الصفيح في كينيا، و الثالثة في أفريقيا. هناك مقر الشبكة اليسوعية للإيدز AJAN التي سأعمل معها.

لقد نشأت هذه الظاهرة الفريدة – المدن الصفيح – متزامنة مع نشأة نيروبي نفسها

نيروبي، بَدء كل الجمال كما يعني اسمها في لغة الماساي، هي مدينة ضخمة و قبيحة كأي عاصمة...

لم تُبنَ نيروبي، لكنّها وُجدَت!

في مايو 1899، قرر الأنجليز أن يكون الميل رقم 327 لخط سكة حديد شرق أفريقيا هو مكان سَكَن العمّال. كانوا وقتها يحضرون العمّال من شتّى أنحاء أفريقيا و من الهند. و حدثَ أن استقر العمّال هناك بالفعل، ثم بعد إنشاء خط السكة الحديد، أصبحت نيروبي محطّ أنظار الأوروبيين.. حتى أختيرت عام 1907 كعاصمة "شرق أفريقيا البريطانية" كما أسماها الأنجليز وقتها.

قليلاً قليلاً، أُزيح الأفارقة من مساكنهم في نيروبي؛ حتى يفسحون مكاناً للسادة القادمين من أوروبا. و استقرّ السكّان الأصليون في المرتفعات فترة من الزمان. حتى قررت الحكومة الأنجليزية في العشرينيات أن تستقدم الإرساليات الكاثوليكية إلى نيروبي.

أهدت الحكومة أراضي شاسعة للمُرسلين. و كان الأوائل – و الأوفر حظاً – هم رهبانية الروح القدس الأيرلنديين؛ الّذين جاءوا و معهم أول بذور للبنّ عرفتها كينيا في تاريخها.

أدخل الرهبان الأيرلنديون زراعة البن، و أخرجوا الكينيين من مساكنهم من جديد. هنا نشأت كانجيمي – المدينة الصفيح الأولى في أفريقيا – لأن العمّال لم يستطيعوا أن يعودوا لديارهم. و كان عليهم أن يسكنوا بقرب مزارع البن، و بقرب الإرساليات الأوروبية.

 2

نشأت بعد ذلك مدن جديدة مثل كانجيمي. لكن كانت الأسباب مختلفة. غالباً السكّان الآن هناك قتدمون من الريف يبحثون عن فرص للعمل. تجذبهم المدينة بضخامتها و إغرائها. لكنهم ما يلبثوا أن يقعوا في الفخ الكبير: لا يستطيعون الرجوع، و لا يستطيعون الرحيل.

الآن يسكن في نيروبي 3 ملايين نسمة، 60% منهم يعيشون في المدن الصفيح العشوائية.  

3

أصل مع دليل إلى كانجيمي. يوصلوني إلى غرفة رطبة نظيفة كي استريح قليلاً. بالرغم من التعب إلاّ أنني أفشل في النوم بعمق... ربما أخشى النوم، أو ربما أخشى المكان...

حين أصحو أتحدث مع مؤسس المركز – و هو كندي – عن الإيدز، مشكلة أفريقيا العظمى اليوم؛ و ثاني أكبر مآسيها بعد تجارة العبيد. يسألني عن الإيدز في مصر، و كنت قد احضرت معي بعض المطبوعات من وزارة الصحة المصرية، أخبره أن الوضع معتّم عليه تماماً. حتى البرنامج القومي لمكافحة الإيدز يعلن أرقاماً – بالطبع غير حقيقية – و مضحكة.

يخبرني أن الوضع كان مشابهاً في كينيا حتى وقت قريب؛ لكن المنظمات الدولية أجبرت الحكومة على إعلان الأرقام الرسمية و بالتالي بدأت في التعامل الواقعي مع المشكلة.

في كيبيرا  - أكبر المدن الصفيح كما يوحي اسمها – وحدها 400 منظمة تعمل الآن على مكافحة الإيدز.

(يُتبع) 

Syndicate content