طب

نِقابُ الملائكة

    "تنتَقب الممرضة أو لا تنتقب". مشكلة المجتمع التي عليه أن يقررَ مصيره حالاً تجاهها. صعد السؤال على السطح بعد مشكلةٍ تتعلق بممرضات منتقبات بالفيوم، و أثير بشدة حتى ناقشه وزير الصحة و نقيب الأطباء كموضوع يتحتم عليهما إدلاء الرأي حياله.

    و السؤال طبعاً مهم. لأن طبيعة عمل الممرضة تتعلق بالرعاية الصحية، و الرعاية الصحية هي - نظرياً على الأقل - أحد الجوانب الخدمية التي يُفتَرض أن تقدّمه الدولة (أو بديلها من القطاع الخاص). و بالتالي فالأمر متصل مباشرةً بحقوق متلقي الرعاية - أي المواطن، و من ثمّ حقوق الإنسان التي هي حديث الموسم اليوم.

    ترتكز آراء من يعارضون نقاب الممرضات على نقاط ثلاث:

1- من حق المريض أن يرى وجهاً حسناً حيال تلقيه الرعاية الصحية.

2- النقاب ينقل العدوى.

3- النقاب يحجب هوية الممرضة.

    و أنا أتعجب من الّذين يعتبرون حقّ المريض في مشاهدة "وجهاً حسناً" أمراً لا نقاش فيه بينما حق "الوجه" في حجب ذاته أمراً مذموما! بصرف النظر عن أسباب اضطرار الممرضة إلى حجب وجهها و اتفاقنا أو اختلافنا معها. هي أيضاً إنسانٌ له حق اعتناق ما يشاء من أفكار و التصرف على أساسها. ثم أن المريض الّذي يبغي الوجه الحسن يمكنه ببساطة طلب تغيير الممرضة المصاحبة له. و أظن أن "حق الوجه الحسن" قد يأتي متأخراً قليلاً - إن أتى - بعد حقوقٍ منها الرعاية السليمة و النظافة و عدم الإيذاء الطبي. يمكن للمريض طبعاً اختيار طبيبه المعالج و ممرضته، و هذا هو الحق الذي كان لابد من الحديث عنه و لا يمكن لأحد الجدال بشأنه.

    مفاجأةً للجميع، النقاب لا ينقل عدوى أكثر من يد الطبيب الذي يقوم بالكشف دون أن يغسلها. أنا شخصياً لا أرى زيادة في معدّلات انتشار العدوى تتعلق بالنقاب أو بعدمه. و إذا كانت وزارة الصحة تنوي بالفعل مكافحة العدوى فما عليها إلا اتخاذ إجراءات جدّية فيما يسمى infection control بالمستشفيات و هذا لا يشمل نزع نقاب الممرضات بطبيعة الحال.

    ربما أكثر الحجج منطقية هي المتعلقة بحجب الهوية. لكن، أليست الكثير من الممارسات المتعلقة بالطب تهدف - أساساً - لحجب الهوية؟ البالطو الأبيض يحجب هوية الطبيب من جهة جسده و ملابسه، "الماسك" الجراحي يحجب هوية الجراح خالقاً مسافةً ما أظن أنها مقصودة، القفازات تحجب الطبيب عن مرضاه... إلخ

    يبدو أن كثيراً من ممارسات الأطباء ترتكز على حجب هويتهم و اتخاذ مسافة ما بعيداً من مرضاهم. فلماذا يُتهم النقاب وحده فيما يجب أن يتهم فيه نظراءٌ له كثيرون؟

    لا أظن أن حجاب الممرضات أو نقابهن يلعب دوراً اياً كان حجمه في شكل الخدمات المقدَّمة في القطاع الصحي، و التي هي - اصلاً - متدهورة!

تشريح

1

لن يكفّ "ليوناردو دافنشي" عن إثارة دهشتي أبداً. كل مرة أقلب فيها صفحات الكتاب الذي يحتوي على رسومه التشريحيّة، أتعجب من هذا الرجل ذي الموهبة الفذّة الفريدة. وجدتُ الكتابَ بالصدفة على رفٍّ مهمَل في مكتبة معهد الأورام - حيث أعمل - و شعرتُ أني اكتشفتُ أثراً.

الكتاب من إصدار 1968 في باريس، و يقدّم معدُّه الشكر للملكة إليزابيث الثانية على سماحها له بالاَطلاع على الرسومات الأصلية بقصر "وندسور". و يشتمل على معظم رسومات ليوناردو التشريحية مع تعليقات في نطاق محدود.

2

 

ليوناردو دافنشي

لاشكّ أن صعوباتٍ كثيرة قابلت ليوناردو من أجل رسم هذه اللوحات: في وقتٍ كان التشريح جريمة بحكمٍ كنسي منذ مجمع "تور" عام 1163، حين منع الأساقفة المجتمعون تشريح الجسد الإنساني تأكيداً على عقيدة "قيامة الأجساد" التي تم تقنينها في المجمع ذاته. غالباً لم يكن المنع سوى تقرير لوجهة النظر المسيحية تجاه التشريح. على أي حالً، فإن ليوناردو كان عليه أن يكمل عمله في سريّة تامة - عام 1510 - بعيداً عن عيون رجال الكنيسة، و هكذا لم يُنشر الكتاب أبداً في حياته.

اعتمد ليوناردو - خوفاً من الكنيسة - على الحيوانات في معظم الأحيان. لكم بعض الرسوم تشير بصراحة إلى أجساد آدمية لابد أنها كانت أمامه ساعة رسمها. و هو بهذا قد يكون أوّل مشرّح اعتمد في وصفه على الأجساد الآدمية مما جعل رسومه تنقص من مصداقية الآباء المؤسسين مثل "جالين" الذي اعتبر أبا التشريح، حتى نقضت أعماله تماماً بصدور كتاب "أندرياس فيزاليوس" - الكاثوليكي البلجيكي - بعد ليوناردو بثلاثين عاماً.

ِأندرياس فيزاليوس

لكن ظهورَ البروتستانتية فتح باباً لعلماء التشريح. و مع بدايات القرن السادس عشر، صُرّح لكليّة الجرّاحين الملكية بلندن بتشريح أجسادٍ آدمية لكن بشروط أهمها أن يكون أصحاب الآجساد من المحكوم عليهم بالإعدام شنقاً. كان الأمر نوعاً من العقاب المشدّد أكثر من كونه خدمةً لاغراضٍ علميةً!

3

 

 

دقّة الرسوم - تشريحيّاً - تتعدى السبعين بالمائة. الغريب أن بعض الإضافات توجد بالرسم دون أي أثر لها في الحقيقة. أحياناً يضيف ليوناردو عضلة أو عظمة لا توجد في الإنسان ثم يلغيها في رسم آخر! التفسير الوحيد هو اعتماده بشكل أساسي على جثث الحيوانات مما جعله يظن أن هناك تنويعات طبيعية للجسد الإنساني قياساً و مقارنةً بالحيوان.

في بعض الرسوم تجد الجزء الإنساني يقابله مثيله في الحيوان. و قليلة هي الرسوم التي تعتمد على معتقدات سائدة أكثر من تشريح حقيقي. ففي رسم "الجِماع" copulation - و هو رسمٌ فريد - أخطاءٌ تشريحية بالجملة تعكس الجانب "الفني" أكثر من التشريح. في النهاية ، فإن ليوناردو فنان ينقل إحساساً ، و هذا هو تفرده!

4


la copulation

 

يمارس الشخصان الجنس واقفَين، مما يتيح فرصة اكبر لرؤية تفاصيل الجسدَين. تشريح الرجُل أكثر دقة بينما صُورت المرأة بشكل أقل دقة و أكثر خيالاً. قنوات المنى متصلة بظهر الرجل و عموده الفقري. يمتد قضيبُ الرجل داخل المرأة، فيمتد له مقابلاً عنق الرحم مقترباً منه. يقدم الرحم البويضات كالثمار التي تلتقي المنى. "إن الرحم و المهبل حيوانان خارجان - جزئياً - على الإرادة، يتم اجتذابهما بالروائح الطيبة و تنفيرهما بالروائح االكريهة"، هكذا يعلل ليوناردو اقتراب عنق الرحم من القضيب في الرسم.

ينقسم الرحم إلى حجرات، يعكس ليوناردو هنا تفسير العصور الوسطى لتعدد الأبناء؛ فكل امرأة تولد بعدد محدد من "حجرات الرحم" و على هذا الأساس يتحدد عدد أبنائها. يتصل الرحم بالثديين عن طريق أنبوبة طويلة توصل اللبن الذي يتم تصنيعه في الرحم إلى الثديين حيث يتم إفرازه!

5

لم يُحسم الجدل في أوروبا حول التشريح حتى سنة 1831 في تداعيات قضية "روبرت نوكس" الذي اشتهر بكونه أوّل جرّاح يحاضر في علم التشريح للطلبة. لكن مصادر الأجساد التي كان دكتور نوكس يستخدمها كانت دائماً مصدراً للاستفهام حتى تم اتهامه بشرائها من "موردَين" مشهورين للموتى - "وليام برك" و "وليام هير" - كان يتعامل معهما بشكل منتظم. لكن التحقيقات أسفرت عن مفاجأة: فالمتهمان كانا قد قاما بقتل 16 فرداً للحصول على جثثهم. و قد بررا هذا بضرورة الحصول على "أجساد طازجة" كي يستطيع "نوكس" تشريحها. ابتكر "برك" طريقةً للشنق لا تظهر أثارها ابداً، و منه اشتق الفعل الإنجليزي "burking" . لكنه في النهاية حُكم عليه بالإعدام شنقاً، و تم إهداء جسده لكلية الجراحين الملكية حتى يتم تشريحه علانية.

Robert Knox

بعد انتهاء القضية أصدرت الحكومة الإنجليزية " وثيقة التشريح" التي منعت تشريح جثث المحكوم عليهم - كنوع من العقاب - ، و في المقابل سمحت للجراحين و علماء التشريح بالحصول على الأجساد من المستشفيات العامة و الملاجيء بعد ثبوت شروط معينة. و هي الوثيقة التي استخدمتها بعد ذلك معظم البلدان - و فيها مصر - لتقنين التشريح بكليات الطب.

6

رسومات ليوناردو ممتعة حقّاً. تقف في هذه المساحة الفاصلة - الدقيقة و المحببَّة - التي تفصل العلمَ عن الفن. التي تجعل الجراحة و التشريح قسمين من الفن التشكيلي ؛ و من الجسد الإنساني أعجوبة فنية لا تنتهي. غداً أعيد الكتاب للمكتبة، و سيرجع - كما كان - مهملاً على أحد الرفوف!

 

إشارات

...من كتاباتٍ على دواليب الأطباء، نقلتُها كما هي!

 

"قُل هَل نُنبِؤكُم بِالأَخسَرينَ اعمالاً، الّذينَ ضَلَّ سعيُهُم في الحياةِ الدُّنيا وَ هُم يَحسِبونَ أنّهم يُحسِنونَ صُنعاً"

...

"إذا دعتك قدرتُك على ظلم الناس، فتذكّر قدرة الله عليك"

...

"لو دامت لغيرك

               ما وصَلت إليك"

...

"فطِب نَفساً إذا عزَّ القضاءُ

                      فكلُّ الذي فوقَ الترابِ تُرابُ

و لا تجزعَ لحوادثِ الدُّنيا

                      فما لحوادثِ الدُّنيا بَقاءُ"

...

"و إذا أرَدنا أن نُهلِكَ قريَةً أَمَرنا مُترفيها فَفَسقوا فِيها فَحَقَّ عليها القَولُ فَدَمَّرناها تَدميراَ"

...

"و لا تَحسِبَنَّ الّذينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللهِ أَمواتاً بَل أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرزَقون"

...


عن المَرَض و الوَطَن و اقاليم مصر

حينَ يمكث الإنسان في مؤسسة كتلك التي أعمل بها مدّة ثلاثة أشهر،فإن انطباعاتٍ معيّنة تنشأ لديه. هذه بعض افكارٌ كتبتُها على فتراتٍ متفرقة؛ و هي هنا مجتمعة لأنني أردتها كذلك، ليس إلاّ!

1

الوَطَن - الحقيقة الغائبة

أبيتُ كلَّ ليلةٍ بسرير! أتساءل عن معنى الوطن؛ عن البيت: ذلك المكان الأسطوري الذي حينَ تدخله تخلع كل عباءاتك و أقنعتك و -ربما – ملابسك!

يقلقني أني بلا بيتٌ.

أحياناً استعين بصديق، و أحسب بعض زياراتي عودةً للوطن. على أنه بعد انقضاء السهرة، فإنه لا بد من العودة "إلى مكان ما".

- أنا راجع

- راجع فين؟

لماذا أنا هي تلك التي لا وطنَ لها؟!” تساءلت ميّ زيادة قديماً...

2

عائشة – هل حقّاً عائشة؟

عائشة طفلة في العاشرة. أختار السّرطان أن يصيبَ نصفها الأسفل، و تحديداً أن يولد من عظامِ حوضها الغضّة.

بالأمس كان عليّ أن اشرح لها و لوالدتها العملية التي كانت مُقبلة عليها في الصّباح.

أي حياة ستحياها عائشة منذ غدٍ؟ و هل ستصير حقّاً عائشة؟

هل تعرف أنّها لن تسيرَ أبداً للمدرسة؟

في ذهني المُقارنة التي ماتزال تشغلني من شهرين: أيُّنا أفضل، نحنُ أم السّرطان؟ كما السّرطان نحن نصنع الإعاقة، و مثله نحن لا نُعطي اختياراتٍ إنسانية...

كما السّرطان، نحن نقتل الحياةَ - على أننا -بينما نقتلها – نظنّ أننا بصدد إنقاذها. ثم نقتلها، فندّعي أنها هربت منّا من غير إرادتنا. ثم يتكرر المشهد، و نقتلها، و نعتاد قتلَها... و يصبح الموتُ واجبنا اليومي، مُتنكراً في صورة طبيبٍ طيّب يٌشفق على المَرضى!

أحتار فعلاً في جدوى ما تعلمته... و أحتار في المُفاضلة بيني و بين السرطان. ثم أشعر به قريباً جدّاً، أقرب من مرضاي. حينَ أتحدث معه قُرب الفجر، أشعر أن صديقاً يكلمني. اشعر به، و أتفهم مأزقه؛ فهو لا يستطيع الهَرَب من طبيعته القاسية. مثلي، لا يستطيع تجنّب قدَره المحتوم، هو – و أنا – قاتلٌ رغمَ أنفه.

3

القادمون من الشمال و الجنوب

جميع النساء في مصر لا يعملن! على الأقل اولئك اللواتي يُصبن بالسرطان لا يعملن. ربما أولئك اللواتي يُصبن بالسرطان و أقابلهن لا يعملن... لا أدري أي عبارة أدق. لكنّ هذا أمرٌ لفت انتباهي كثيراً، فسواء كانت السيدة متزوجة أو أرملة أو حتى لم تتزوج ( و هن بالمناسبة لسن بالعدد القليل اللواتي عبرن سن الأربعين و هن بعد عذارى) فإن كلّهن يشتركن في كونهن "ربات منزل" و "غير متعلمات".

أما الرجال فنصفهم على الأقل يفضّل استخدام بصمة الأصبع عند التوقيع. لكن هذا ليس حُكماً، فهناك من يفضّل البصمة برغم كونه مُتعلّماً ربما لأسباب تتعلّق برواسب اجتماعية أو ثقافية.

أشد القادمينَ فقراً هم أولئك القادمون من الجنوب. نصفهم من محافظة "بني سويف" التي - في رأيي- إما أن معدّل السرطان بها أعلى من باقي المحافظات (أشكّ في هذا) أو أن مستوى المعيشة بها أعلى قليلاً من باقي الصعيد مما يسهل عناء السفر، أو لأنها - ببساطة - أقرب أقاليم الجنوب للعاصمة المرفهة.

من أسوان قابلت واحدةً، و من أسيوط ثلاثاً، أمّا ما أفزعني فهو تلك السيدة القادمة من شمال سيناء و قد صار السرطان متقدماً للغاية في جسدها. تساءلت عن أقرانها، و عن غالبية مواطنيها الذين لم يجيئوا للقاهرة.

4

الوطن الّذي أكله السرطان و نحن غافلون

لا يمكنني الادعاء أن نظام مبارك قد اضرّ بمصالحي في وقت من الأوقات. و باستثناء أمراض المجتمع المزمنة - التي كانت لتوجد في ظل أي نظامٍ آخر - فإنني شخصياً لم أعاني بسبب النظام السياسي أو الاقتصادي القائم.

أمّا المضرورون مباشرةً فهم هنا، على هذه الأسرّة المتسخة في مستشفى عامٍ لا يدرون ماذا سيحدث في أجسادهم غداً. هذا الواقع الصارخ لا يُمكن تجاهله، كما لا يمكن تجاهل حقيقة أن هؤلاء المضرورون هم أقلّ الناس قدرةً على التعبير عن ضررهم، بينما أكثر الناس قدرةً على التعبير عنه هم أقلّهم ضرراً.

هذا التمايز الواضح هو لعبة يلعبها النظام و يراهن عليها. المعنيون مشغولون بمعارك الحياة اليومية، و لا يمكن - بدون تحامل - أن نطالبهم بما هو أكثر. يكفيهم المرض في جسدهم و همّ تعليم الأولاد و إطعامهم، فماذا عن الإصلاح السياسي؟

أما المهمومون بالإصلاح فهم غير مضرورين مباشرةً بسبب النظام الحالي، و ليست لديهم مشكلة واضحة - باستثناء الاختلاف الأيدولوجي - معه. لا يمكن لجماعة أن تتحدث عن مطالب طولَ الوقت ما دامت هذه المطالب لا تمسّ حياتها مباشرة؛ و لا يمكن لجماعة أن تتحدث عن مطالب - في نظرها ثانوية - طالما هي مشغولة بمتطلبات الحياة اليومية.

5

تساؤلات مشروعة

أتساءل دائماً إن كنتُ ساستطيع الصمود في هذا المكان. كم من الوقت يستغرقه انهياري نفسياً أو اتخاذ قرارَ الاستقالة؟ دائماً لا أتصور استمراراً طويلاً ربما لأن لديّ مُشكلة في تصور العلاقات - الالتزامات طويلة المَدى. ربما لأن لديّ شعوراً أن هناك الكثير بعد لأتعلمه و أعرفه بعيداً عن عملي كطبيب. المؤكد أن السؤال دائم الوجود في أعماقي، على أن بروزه للسطح يختلف من حينٍ لآخر


رباب

1
- بُكرة هاتعملي العملية، عارفة؟
- عارفة يا دكتور
- طيب لازم تمضي على موافقتك عليها
- ممكن تشرحها لي؟
2
رباب طالبة في كليّة التجارة. في عامها العشرين، اكتشفت إصابتها بسرطان الثدي؛ المرض الوِحِش أو "شر المَرض".
تبدو الحكاية - باستثناء السن الصغير - عادية. إحدى هذه الحكايات التي اقابلها كل يوم ملقاة على سرير بمعهد الأورام أو على طاولة الجراحة تنتظر مشرطاً يخلع السرطان من جسدها.
على أن حكاية رباب مختلفة...
كانت رباب أوّل مريضة تضحك في عنبر المرضى، عندها تنبهت أن بها شيئاً مُختلفاً.
حين أخبرها الطبيب أنّه سيستأصل ثديها و يضع لها بديلاً، ضحكت: " هابقى زي نانسي!"
ثم طلبت رباب أن تبقى بنفس الغُرفة و نفس السرير حين تعود. كانت قد صادقت زميلات المرض! أولئك اللواتي أتينَ من أقاليم مصر المختلفة يحملن الوَجع الخبيث في أجسادهن.
كانت قد أحبّت منظر النيل من خلف الزجاج المترب الكئيب الذي لم يفتحه أحدُ منذ سنين.
3
بدَت رباب كمن يرى شيئاً آخر خلف المرض، كانت تبدو لي - كل ليلة أنزل من سكني كي أمر على المرضى - كمن تعيش واقعاً مختلفاً. دائماً هي الأكثر سعادةً، و الأكثر أسئلةً!
هل كونها متعلمة هو الذي جعلها مختلفة؟ على أني قد شاهدتُ من قبل السرطان و هو يسحق أرواحَ المتعلمين بعد أن ينتهي من أجسادهم. هل هي أسرتها التي تقف دائماً بجوارها صامدةً و مشجّعة؟ غير أن لدى كل مريض من يرافقه و يخدمه. عُمرها الصغير؟ كان أولى بها أن تخور تحت وطأة المرض لا أن تتحداه!
4
الليلة و قد مررت على المرضى، خرجت لأسير وحدي على نيل القاهرة الساحر. أفكّر في رباب، و فيمَ ينتظرها غداً. ستفقد غداً قطعةً من جسدها لأن السرطان اللعين قد أختارها ليسكن فيها
و ستختلف حياتها من غدٍ و للنهاية.
لا يبدُ على القاهرة أيّ أختلاف، يسير الناس في الشوارع حتّى الفجر. تزدحم الفنادق بالأثرياء و بالعرب، و يقضي الكلُّ ما يريد ببهحة أو بدون. ربما تشاهد رباب المشهد من شرفتها و قد اقلقها التفكير في الغد. لكن المشهد لن يتغيّر، و لن بتوقف أحد عن السير لأن رباب ستستأصل ثديها غداً.
القاهرة تبقى صاخبة، و رباب تبقى منتظرةً لمصير مجهول يقرره الوحش الكامن داخل جسدها؛ و نشترك نحن - الأطباء - معه إن أَذَن.
5
رفضت رباب أن يصوّرها الجرّاح، و جادلته في جدوى الصور. "مهمة من أجل رسالتي للدكتوراة"
" - و ماذا ستفيدني رسالتك؟"
أحببتُ منطقها، و شجاعتها.هذه أول مرة أشهد جدلاً من هذا النوع في مستشفى حكومي مصري! و بقيت لي علامةً للرجاء
6
غداً تخرج رباب من المستشفى بثدي صناعيٍ زرعه الجرّاحون. لن تخرج كما جاءت، غير أن العنبر لن يعود كما كان في وجودها. سيفتقدها شركاء الغرفة، و سيفتقد ضحكتها الممرضون، و أنا سأفتقد شعاعَ الرّجاء اليومي الذي كان يضيء ليالي العمل الوحيدة.
كل شيء سيتغير، عند رباب و أسرتها، و في المستشفى...
لكن القاهرة ستبقى على صخبها، و سأشاهدها من شرفة سكني المطلّة على نيلها الساحر، و أعرف أنني لن ألمح بها أيَّ تغيير!

Syndicate content